هبطا من الحافلة التي اقلتهما الي المدينة في يوم من أيام الصيف، بعد غياب دام سنوات عديدة، ترك عبد الحميد زوجته تحشر نفسها بين حشد من المتزاحمين في المجمع التجاري، على شرفته علقت يافطة بخط عريض (مجمع البالي للرجال والنساء) مشى ليبحث عن مقهى، ليأخذ قسطا من الراحة، ريثما تنتهي زوجته من أداء مهمتها، وجد نفسه يشق طريقه من سوق الخضار، بحر من الفوضى، يعج بالمتسوقين، يخترق صدى اصوات الباعة التي تصدح تعانق عنان السماء، في تنافس ملتهب للتدليل على بضائعهم. اخذ يفج الحشد المتزاحم للوصول الى الطريق المؤدي الى خارج السوق. تدافع من ذلك الحشد أطفال في عُمُر الورود، سُمُر الوجوه، لفهم البؤس والفقر في عباءته، هجروا مقاعد الدراسة بحثا عن رغيف الخبز بلا كأس حليب. يعرضون ما بجعباتهم من أشياء بسيطة، قداحات، شفرات، علكات وما شابه ذلك. يتوسلون وبإلحاح لشراء بعض من تلك الأغراض البسيطة. تزامن تدافع الأطفال مع تدافع شيوخ وجوههم شاحبة، واجساد نحيلة، وعيون غائرة في جحورها يدفعون عربات يد امامهم . تماهى توسلهم لاستئجار العربة مع توسلات الأطفال. تابع طريقه واجم الفم متثاقل الخطوات.
صعد درج المقهى ودخل فكانت سحابة رمادية من دخان النارجيلة المتصاعد، غطت رحاب المقهى، تريث قليلا عند المدخل وراح يتطلع يبحث عن مقعد شاغر، سرح نظره يجوب قاعة المقهى المتواضع بشكله ومقاعده وطاولاته. ثم اخذ ينظر الى رواد المقهى. فكانوا في الثلاثينات والعشرينات من أعمارهم يرتدون ملابس صيفية متواضعة وينتعلون احذية خفيفة، في لحظات تريثه تناهى لسمعه همسات التذمر والاحتجاج من ضنك الحياة وضيق العيش وكابوس البطالة والاحتلال. حضر النادل وصحبه الى طاولة يوجد حولها مقعد شاغر جلس على الجانب الآخر شاب بدا عليه في الثلاثين من عمره يلتحي لحية خفيفة، سوداء، اخذ الشيب يخطها يمسك بيده أنبوب نارجيلة ركن رأسه على الجدار ينظر من نافذة في المقهى الى الأفق البعيدة يحلق في سماء أفكاره في تجاهل تام لوجود مَن حوله، تردد عبد الحميد من الجلوس وراح يتطلع عله يجد مقعدًا آخر شاغرًا تحاشيًا من الجلوس مع الشاب الملتحي. استيقظ الشاب من سكونه تململ على مقعده وراح يرحب بعبد الحميد الذي نظر اليه بنظرة شزراء تخلو من الرضا والارتياح، وعبد الحميد يمقت اللحية والملتحين تجذر هذا الإحساس في اعماقه ونخره من داخله منذ سنوات ظهور الحركات الظلامية المتأسلمة لما يحملونه من أفكار غيبية وجهالة، وتكفيرية، ولما مارسوه من اعمال عنف وتشهير ضد الرموز الوطنية لجماهيرنا العربية وغيرها، وقد زاد الطين بِلّه ظهور (الدواعش) الملتحين والحركات الارهابية المتطرفة الإسلامية الأخرى التي تقترف ابشع وافظع الجرائم بحق الانسان والانسانية .
تجاذبا اطراف الحديث فراح الشاب يغدق المديح ويكيل الاطراءات لجماهير عرب الـ 48 على صمودهم الأسطوري وبقاؤهم في ارض الآباء والاجداد فلسطين. فرد عليه عبد الحميد باقتضاب وبجملة باهتة مغلفة بالسخرية والازدراء يعجبني فيك يا اخ العرب لحيتك التي تغمر وجهك، ويشع منها نور الإسلام. هز الشاب رأسه واطرق قليلًا وسحب نفسًا عميقًا من النارجيلة، ونفث الدخان، وزفر تنهيدة عميقه. خرجت من أعماق قلبه مغموسة بالحسرة والألم الذي يكمن في داخله.
تحسس لحيته، وفسخ شعرها، فظهر على وجهه وَسْم أصاب وجهه من اذنه حتى مشارف فمه، ثم قال، انا لا اهوى اللحية، ولست من عشاقها وانا لا انتمي لأي حركة دينية او إسلامية.
اضطررت للحية وهبطت عليّ هبوطا اضطراريا. انشرح صدر عبد الحميد وانفرجت اساريره من جلسته واحدق بالشاب، وراح يصوخ له السمع . اغرورقت عينا الشاب، وانبجست الكلمات مثخنة بالجراح فتهدج صوته الناعم الرقيق، مسح دموعه واستطرد يقول، قضيت بالسجن خمسة عشر عاما ونصف العام، منها أربعة عشر سجنا عقابا على تهمه أمنية، وسنة ونصفا حكما إداريا، معظمها بالسجن الانفرادي وانت تعرف يا اخي ما الذي يجري داخل السجون الإسرائيلية من تعذيب وممارسات قمعية وموبقات ضد السجناء الأمنيين الفلسطينيين . توقف قليلا وعادت الدموع تسح من جديد كفكف الدمع وواصل كلامه، قال: بعد انقضاء خمس سنوات على سجني استشهد ابني البكر ابن الخامسة عشرة وبعد انقضاء ثلاث سنوات أخرى لحق به شقيقه الثاني، ارتقى شهيدا برصاص الاحتلال في احدى المظاهرات داخل المخيم . وبعد انقضاء خمس سنوات أخرى دهموا البيت بحجة التفتيش فتصدى لهم ابني الثالث، فاردوه قتيلا بوابل من الرصاص بحضور جدته والدتي وعندما شاهدته يتخبط بدمه وقعت تحت تأثير نوبة قلبية، ففارقت الحياة وقد شيع جثماناهما بيوم واحد. طيلة سنوات سجني حاولوا كسر صمودي بالتعذيب بالترغيب وبالترهيب، ولما عجموا عودي وجدوه عصيا حاولوا بأساليب دنيئة وقبل خروجي بستة اشهر من السجن من الحكم الإداري اعتقلوا زوجتي وزجّوا بها في السجن في محاولة دنيئة تحطمت على صخرة صمودي قضت حكما إداريا لمدة سنتين ونصف السنة وفي الأيام الأخيرة من انتهاء مدة سجني استدعاني ضابط المخابرات في محاولة منه لشرائي وتسخيري للمخابرات ولما رفضت اوغر صدره ضدي فأوعز لاحد اعوانه من السجناء في قسم الاجرام بالاعتداء علي.
فاجأني ذات يوم وانقضّ علي وشطبني بسكين في وجهي وكما تشاهد الجرح (يزيّن) وجهي، فاضطررت ان التحي لإخفاء آثار الجرح الذي بان يشبه الوسم في وجهي، سحت دمعة من عيني عبد الحميد، نهض ليغادر المقهى فعانقه عناقا حميما بعد شقاق واختلاف غادر المقهى وفي داخله شعور بالندم، والألم وانضم الى زوجته صعد الحافلة عائدا من رحلته، ركن رأسه على زجاج النافذة واغمض عينيه وغاص في تفكير عميق.
(عرابة)
