آثار ارتباط محمود ومورال حفيظة دولة بأكملها بين مؤيد ومعارض، وسمعت اصوات كثيرة من داخل المجتمع العربي الفلسطيني الداعمة لقرار الارتباط "غير الطبيعي" في ظل مناخ سياسي عنصري، وصلت أعلى مستوياته حد الاعتداءات الجسدية والملاحقة السياسية. هذه المرة تركز الهجوم على "مورال" التي اتهمت بخيانة شعبها لمجرد انها قررت الارتباط بمن اختاره قلبها. ولقد استفزت هذه الحادثة خطاب حقوق الانسان والحريات الخاصة، داخل نفوس الكثير من مجتمعنا. وهو استفزاز مبارك ومرحب به، دون أي شك.
تجند الجميع للترحيب بمورال واستقبالها بالأحضان بعد ان "ختمت الكرت" ودخلت الى المجتمع العربي من أوسع ابوابه، "باب الدين". أصبحت مورال بعد اعتناقها الإسلام واحدة منا. وتمركز الخطاب الاعلامي وحديث الساعة، حول يهودية تعتنق الاسلام وتتزوج من مسلم. والمصيبة ان كل هذا يحدث في اسرائيل – دولة الشعب اليهودي.
ولوهلة نظن بأن المنافسة هي ما بين "ادينة القضية " او "انسنة القضية"، ونعيش وهم انتصار الخطاب الانساني والحقوقي في حسم الموقف.
مع انه فعليا، الذي انتصر هو نفس الخطاب الديني صاحب مقولة "جبناها لعنا", الذي يسيطر على جميع مناحي حياتنا - حتى على من يحاول بكل جهد تبني العلمانية كنهج حياة. إنه نفس الخطاب الديني الذي يدخل الى مطبخنا وخزانتنا وفراشنا- فيحدد لنا ماذا نأكل وماذا نلبس وكيف ننام.
وبصراحة شديدة فلينظر الكثير منا الى مرآته، ونسأل انفسنا، هل سيكون هذا "الخطاب الانساني" المدعم بحرية الاختيار وشرعية الحب الذي يتخطى كل الحدود، هو نفس الموقف لو ان "مورال" كانت "حنان" واختارت الارتباط بشخص لا يعتنق نفس ديانتها؟
الاجابة ستكون شبه واضحة- لا.
الإجابة نفسها تعكس ازدواجية الموقف، بكل ما يتعلق بالارتباط المختلط داخل المجتمع العربي - "مختلط" وكأننا ننتمي لشعوب او قبائل او ثقافات مختلفة ويتوجب علينا اكتشاف بعضنا البعض.. ولو نظرنا عميقا إلى مجتمعنا الذي حركه قبل أيام خطاب الحريات الخاصة والحب، فلا يخطر بباله أبدا الاغتيالات اليومية التي تتعرض لها العلاقات العاطفية، وكم بالحري ان كانت مختلطة!
لا يخطر بباله – ان الطائفية والعنصرية تنخران في جسدنا لنصل إلى حالة لا تحتمل من النفاق الذاتي. هذا النفاق الذي يفاجئك دائماً بوجوده .
ولأني ابنة هذا المجتمع فاني اعلم تماماً بأن "الزواج المختلط" لا يحظى بشرعية مجتمعية بل على العكس. حتى اننا اصبحنا نعلم تماما ما هي حدود الحب المقبول وغير المقبول، من يجب ان نحب ومن يجب ألا نقع في حبه -لكي لا نقع في المحظور ونكسر موازين القوى لا سمح الله..
الحب مسموح فقط ضمن اطار "اللعبة" ولهذه اللعبة قوانين واضحة. لا يهم إن كانت هذه القوانين تصب بشكل عام ضمن اطار قمع الحريات الذي كان قبل عدة أيام حديث الساعة. بعدها كل شيء يصبح "مشروطا" و "محدودا" لتصبح حرية الاختيار محدودة ضمن منطقة جغرافية وأسماء عائلات معينة تدل على انتمائها الطائفي – لنصير مجموعة خيول في مزرعة خاصة، تم ترويضها بشكل مثير للدهشة وللغثيان معًا.
تبدأ عملية الترويض من العقل وتتغلغل الى داخلنا لتصير جملة "كل واحد ع دينه الله بعينه"، فلسفة أساسية في حياتنا.
هي نفس المزرعة الخاصة التي يدفن بها كل شيء خارج عن "حدود المقبول" و "المعروف".
ولأكن واضحة وصريحة، انا لا ألوم أبدا من اختار نهج حياته خاضعا للفكر الديني، بل لومي على من يدعي التحرر منه..
لا ألوم من يقول موقفه بصراحة وشجاعة حتى لو لم يتلائم مع كل نظريات التحرر من الذات، بل لومي على من يدعي ان عقله وفكره متحرر من الغيبيات ومن "المفهوم ضمنا"، ولكنه وعند أول امتحان تنهار كل قلاع المصطلحات العلمية التي بناها حول نفسه.
لومي أولا وأخيرًا على من يعود إلى الزاوية الأولى دوما، بعد أن يدوخنا ويلف بنا في مسالك هو ليس "قدها".