*مهنة التعليم تجعلنا نحن – معشر المعلمين – أغنياء بمعرفة وصداقة الناس*
مع نهاية هذه السنة أكون قد أكملت خمسة وأربعين عاما في عملي كمعلم. بدأت في 1/9/1968 وشاركت في تخريج الفوج الأول من هذا المعهد وما زلت أذكر بعض أسماء الخريجين – سهيل عيسى – رشيد سرور – عاطف سليمان – إميل اصليح – إبراهيم سمعان – سهام عيلبوني – عايدة زريق والمرحومة عايدة عيد. وها أنذا أشارك بتخرج الفوج الخامس والأربعين، ولو قدر لي أن أعيش من جديد وأن أختار مهنة لاخترت مهنة التعليم وبهذه الكلية – كلية الجليل المسيحية – عيلبون. لأن هذه المهنة برأيي أنبل وأشرف مهنة على مر العصور وبالنسبة لي ليست مهنة فحسب بل هي رسالة وحتى هواية أمارسها بكل حب وطرب.
مهنة التعليم تجعلنا نحن – معشر المعلمين – أغنياء بمعرفة وصداقة الناس وهذا هو الغنى الحقيقي.
أحب هذه المهنة لأنها فرصة لتزويد الطلاب بالثقافة والوعي الضروريين.
أحب هذه المهنة لأنني أحب طلابي لأنهم أبناء شعبي وأحب أن يكون شعبي مثقفا واعيا ومتعلما.
إن أهم وسيلة للتقدم والتطور وأهم استثمار يجب أن يكون في التعليم وقديما قال بسمارك معقبا على انتصار ألمانيا على فرنسا (عام 1870) "إنما انتصرنا على فرنسا بفضل معلم المدرسة".
أدين بالعرفان لمعلميَّ الذين تتلمذت على يدهم في المرحلة الثانوية وبالذات سعادة القاضي رايق جرجورة الذي علمني موضوع المدنيات وأثر علي فكريا فيما بعد والشاعر الأستاذ سعود الأسدي الذي علمني حب اللغة العربية وبالذات المتنبي وتربطني بالاثنين علاقة صداقة وطيدة، أما معلمي في موضوع التاريخ فهو المرحوم الأستاذ الياس دانيال الذي جعلني أتعامل مع موضوع التاريخ بشغف. أما المؤرخ الذي صقلني وأقنعني في أسلوبه وتحليلاته فهو المؤرخ الفلسطيني الدكتور إميل توما. والآن أشكر الطلاب على مدى خمسة وأربعين عاما الذين علمتهم ومنحوني الفرصة لممارسة هوايتي المفضلة - التعليم - بكل اعتزاز ومحبة.
أيها الحفل الكريم أيها الطلاب الأصدقاء قالوا: "من علمني حرفا صرت له عبدا"،
ونحن نقول : من علمني حرفا صرت له صديقا لأن زمن العبودية والاستبداد ولى دون رجعة ونحن نشأنا معا على قيم الحرية والنقد الذاتي – البنّاء – والصدق التواضع والجرأة، هل تذكرون أيها الطلاب شعار الحركة العقلية " الاستنارة " والذي تعلمناه في بداية الصف العاشر.
" تجرأ أن تكون حكيما " أي لا تقبل بالمسلَّمات وأرفض الأفكار المسبقة والخرافات واستعمل الشك إلى أن تصل للحقيقة القاطعة.
قبل سنة وفي مثل هذا الحفل وهذه المناسبة استضفنا العالم الشاب بروفسور حسام حايك- خريج مدرسة المطران في الناصرة- وقد اختير مؤخرا واحدًا من بين خمسة وثلاثين شخصية علمية الأكثر تأثيرا في العالم. وأنا أعتز به طالبا وصديقا. في 24/5/2013 أجرت معه إحدى الصحف الأسبوعية مقابلة وعندما سئل عن توصياته للطلاب قال:
"هناك أمور أحب دائما أن أوضحها لطلاب الجيل الجديد، أولا: ممنوع الخوف، الجرأة أهم من العلم نفسه. إذا أردت أن تصبح عالما ولكنك غير جريء، لن تحقق شيئا. يجب أن تكون جريئا بأحلامك وطموحك. كن جريئا وصمم على حقوقك. قضية الثقة بالنفس لدى طلابنا يجب أن نطورها. ليست لدينا الجرأة أن نقف ونحارب في سبيل شيء معين".
ولو تابعنا ما حدث في الأيام القليلة الماضية فقد رأينا الفنان الفلسطيني محمد عساف يفوز بلقب "محبوب العرب" بفضل إرادته وإصراره بالإضافة إلى صوته العذب والقوي، كذلك فان نجاح الشعب المصري في استعادة ثورته كان بفضل ستة شباب أسسوا حركة "تمرد" وبفضل إرادتهم وإصرارهم أسقطوا النظام الفاسد الذي خطف الثورة.
وهنا تحضرني إحدى المقولات الرائعة للمفكر الفلسطيني والعالمي ادوار سعيد "قل الحقيقة أمام السلطة" السلطة في كل مكان. بدءًا من البيت وصولا للدولة. ومن أبيات الشعر التي نظمها المتنبي قبل أكثر من ألف عام وأود لطلابي حفظها وتذويتها.
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المكان الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة بلغت من العلياء كل مكان
أن معرفة اللغة العربية والتحدث بها بشكل سليم وكذلك فهم التاريخ بشكل موضوعي ومعرفة جغرافية بلادنا وأسماء مواقعها الحقيقية والصحيحة يساعدنا في الحفاظ على هويتنا وانتمائنا، كيف لا نتقن اللغة العربية وقد جعلها شاعر النيل - حافظ إبراهيم - تردد:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
عندما أصحح للطلاب امتحاناتهم، يشمل ذلك تصحيح أغلاطهم النحوية والإملائية – البعض يستغرب ذلك - طبعا بدون خصم علامات على هذه الأغلاط.
كنت أحب من الطالب والمعلم في المدرسة وخارجها أن يتحدث اللغة العربية بشكل سليم – بدون خلط بالكلمات العبرية أو لغة أخرى – أما عن اللغات الأخرى فليتحدث بها ويتقنها في الوقت المناسب.
وهنا أريد أن أذكر لكم حالتين من الخلط.
إحدى النساء التي ذهبت إلى الحج في الديار المقدسة وبعد أن لفت اللفة الأولى (من بين سبع لفات) حول الكعبة، تسأل صديقتها المرافقة لها، كم سيفوف بعد؟؟
الحالة الثانية: كتب الصديق جواد بولس في أحد مقالاته الأسبوعية حول هذا الموضوع فقال:
"ذهبت مجموعة من الناس لاحدى البلدات العربية – لتقديم واجب العزاء فسألوا إحدى السيدات في الستين من عمرها وهي في لباسها العربي التقليدي عن مكان بيت العزاء، كان جوابها:
كمِّل خيا وبعدين فوت سمولا، بتيجي ع كيكار خود يمينا يشار في تسومت وهناك اسأل......."، هل هذا معقول؟
أمس أنهى الطلاب آخر امتحان بجروت. الطالب يمتحن مرة واحدة والمعلم يمتحن كل سنة. وللنجاح هنالك ثلاثة شركاء الطالب، الأهل والمدرسة، ومن الأغاني التي كنا نرددها في جيلكم أيها الطلاب الأصدقاء – أغنية العندليب الأسمر، وتناسب كل عصر
وحياة قلبي وأفراحه وهناه في مساه وصباحه
ما لقيت فرحان في الدنيا زي الفرحان بنجاحه
الحياة يا أصدقائي ليست مفروشة بالورود والمنافسة شديدة والعالم يحب الناس الأقوياء وأصحاب التحديات ولكن بالإقدام والمثابرة القوية تستطيعون محو كلمة مستحيل، ألم يقل نابليون يجب حذف كلمة مستحيل من القاموس؟ وماذا قال أمير الشعراء:
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركابا
والآن في نهاية كلمتي، لا بد من شهادة حق: في هذه المدرسة طاقم متماسك من المعلمات والمعلمين يميزهم الإخلاص التفاني والمهنية ومحبة الطلاب بقيادة المدير المعلم الأستاذ عزمي سرور والذي يقضي الساعات الطوال والسهر على راحتهم والحفاظ على هذا الصرح العلمي منارة عالية وليس صدفة أنه يحظى بمحبة وتقدير الطلاب والمعلمين والأهالي. أيها الصديق العزيز باركك الله فأنت خير خلف لخير سلف. كذلك فهناك جمعية برئاسة د. حنا سويد تشرف على المدرسة وترعى شؤونها وتحميها من أي عابث أو عثرة داخلية أو خارجية، هذه الجمعية أبرز ما يميزها نظافة اليد ونكران الذات والعمل الدؤوب وهي تستحق منا كل التقدير والشكر.
أما أنتم أيها الأهل الكرام فمبروك لكم التخرج – حافظوا على هذا المعهد لأنه منارة شامخة تضيء طريق العلم والفضيلة لأجيال شعبنا أبناء وقادة المستقبل.
أصدقائي الخريجين:خاطب الشاعر الراحل الأستاذ شكيب جهشان طلابه الخريجين في إحدى قصائده "أحبكم لو تعرفون كم" وأردد لكم في هذه المناسبة أحبكم لو تعرفون كم، أحبكم لن تعرفوا كم ربما تجدون الإجابة في أغنية فيروز " شايف البحر شو كبير كبر البحر بحبك شايف السما شو بعيدي بعد السما بحبك.
(نص الكلمة التي ألقاها الأستاذ نواف عواد في حفل تكريمه الذي نظمته كلية الجليل المسيحية -عيلبون- بمناسبة خروجه للتقاعد بتاريخ 2013/7/5.)
