الحكم العسكري أداة سياسية لقمع وترحيل الجماهير العربية ولضبطها وتدجينها

single

ألحزب الشيوعي كان رأس الحربة لإلغائه


- 1-
يحتفل حزبنا الشيوعي هذه السنة بمناسبة تسعين عاما على تأسيسه في فلسطين ( 1919-2009) وهو بذلك يكون أقدم حزب عمالي ليس في فلسطين فحسب بل في العالم العربي ، وشاءت الظروف أيضا أن يكون في أصعب بقع الصراع في العالم. ففلسطين كانت ومازالت مكان طمع الاستعمار بشتى أشكاله ولذلك تحاك المؤامرات تلو المؤامرات على هذه البقعة الاستراتيجية تاريخيا والمقدسة والجيدة المناح نسبيا  وحلقة الوصل بين القارات.
ولذلك نرى أنه في التحركات العالمية وفي الوعي الفكري في العالم ووجود مجموعة من الشباب والشابات اليهود والعرب ذوي أفكار نيرة ومتأثرة بالثورة الاشتراكية ( البلشفية ) والأفكار الثورية والماركسية ومعتمدة على الأفكار المتقدمة والثورية في تاريخها هي، قامت بتأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني وعصبة التحرر الوطني كضرورة موضوعية لحماية الجماهير والدفاع عنها وللعمل على تسلم السلطة بالطرق الدمقراطية والشرعية في البلاد .
هذا الجديد الذي تبلور في العام 1919 كحزب شيوعي في فلسطين لم يكن من السهل هضمه أولا من القوى الاستعمارية العالمية مع أنه تغذى من رحم القوى الثورية في هذه البلدان، تلك القوى التي عارضت الاستعمار وعارضت التوسع الكولونيالي وعارضت الجرائم التي يرتكبها الاستعمار بأسمائه المختلفة باسم شعوبها والتي تبلورت بحركات ثورية في طليعتها الأحزاب الشيوعية في هذه البلدان .

 


- 2 -
وإذا كنا نتحدث عن تاريخ حزب نشأ في هذه البلاد منذ العام 1919م فلا شك أنه خلال هذا التاريخ العريق كان له وجود وتواجد في كل بقعة من بقاع هذه الأرض الطهور ، وتأثيره وصداه موجود بين العرب واليهود بأشكال مختلفة .
أذكر أنني قدمت تمرينا جامعيا حول موضوع " التعليم المكمل واللا منهجي في البلاد وأقنعت المحاضر في حينه البروفسور يوفال درور من جامعة تل أبيب أن يكون تمريني عن " الشبيبة الشيوعية كإطار تعليمي لا منهجي واخترت فرع أم الفحم كنموذج " وبعد أن قدمت التمرين أمام الطالبات والطلاب الجامعيين ،أذكر أن العديد من الطلاب بدأ يذكر ما يعرفه عن الشبيبة وعن الشيوعية في البلاد من خلال ذاكرته وإليكم ما أذكره من بعض الاشارات الشفوية لهذه المجموعة العامة غير المختارة ولكن الأجوبة بحد ذاتها لم أتوقعها شخصيا وتنم عن معرفة ما، طالبة (أ) قالت: أنا بالأصل من عكا وأذكر انه كان تحت عمارتنا غرفة صغيرة كان بعض الأفراد يأتون اليها في أيام معينة أذكر الأربعاء ويخرجون بهدوء وعندما كنت أسأل والدي من هؤلاء ؟ كانوا يقولون لي هؤلاء شيوعيون !! ولم يكن يفسر لي أحد كنه هذا الأمر ... هذا ما أذكره والآن عرفت أكثر " طالب عربي  (ب) : أعرفهم في قريتي من توزيع المناشير ولكن والدي كان حريصا أن لا أشاركهم لأنه حريص على تعلمي .. ومن أول أيار " . طالبة (ج) : كنت أعرف أن عمي منهم أو قريب منهم . طالبة د : أنا أعرف انهم مع العرب فقط وهذا الموضوع ليس لنا . وهكذا لكل طالب كانت زاوية للحزب في ذاكرته .
ولذلك فإن كتابة تاريخ حزب بهذا الحجم وهذا الامتداد التاريخي تحتاج إلى مؤسسة علمية لتتناول مسيرته بكل ما له وما عليه وإعطاء فرص النقد وقول الرأي المنطلق من مصلحة الجماهير والطبقة العاملة والفلاحين الذين نذر الحزب فكره وإمكانياته لخدمتهما .

 

- 3 -
في هذه المقالة سأتناول جانبا هاما من كفاح الحزب الجماهيري وهو كفاحه ضد الحكم العسكري باعتبار هذا الحكم جاء بالأساس لقمع الجماهير العربية في إسرائيل ، والضغط عليها لترحيلها بأساليب خبيثة ولئيمة وكذلك لضبط السيطرة عليها باعتبارها طابورا خامسا ضد الدولة ، ولتسهيل تحريض الجماهير اليهودية عليها باعتبارها فئة سكانية جاهلة غير مخلصة ومن بقايا شعب معاد ، وفي أحسن الحالات لتدجين هذه الأقلية لتبقى أداة بيد الحزب الحاكم ( المباي بالأساس ) ضد نفسها ومن أجل تمرير مؤامراته المنطقية والمحلية وتصفية الأرض العربية التي بقيت بيد أصحابها . ففي بيانه في جلسة اللجنة التنفيذية للهستدروت في 10-03-1955م قال مدير الدائرة السياسية في الهستدروت ( مباي ) : " لم نختبر بعد معالجة الأقليات ، كنا نظن أن إسرائيل ستكون دولة يهودية صرف بدون أقليات " .
وكما هو معروف فإن صمود الأقلية العربية في إسرائيل والتي كان للحزب الشيوعي العامل الأساسي بذلك أفشل مهمة تحويل إسرائيل إلى دولة بدون أقليات " ( إقرأ بدون الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل م.ص) ، والسبيل لهذه الغاية وهذا الهدف هو الحكم العسكري البغيض ، ولذلك كانت فظائعه ضد الجماهير العربية تهدف لطردهم ولاجبارهم على مغادرة وطنهم الذي لا وطن لهم سواه ومع الأسف أن هذا الهدف العنصري البغيض ما زال يعشش في أذهان بعض ساسة إسرائيل  حتى هذه الأيام وإن نجحنا في إلغاء الحكم العسكري فإننا حتى الآن لم ننجح في إخلاء أفكار هذا الجهاز من بعض العقول في سدة الحكم وخارجها وإن كانوا يستعملون اليوم كلمات وتعابير تبدو بعيدة ولكن الهدف واحد فما كلمات : تطهير عرقي ، وتبادل سكاني ، وجدران عازلة ، وتضييق الخناق وهدم البيوت ومنع إحياء ذكرى النكبة بقانون من قوانين الأبارتهايد العنصرية وكذلك القانون المتعلق بصهيونية الدولة ويهوديتها الذي يلزم عدم التفكير بالتعاطي السلبي أو النقاش مع مثل هذه المقولات ، إلا نموذج لهذه الأفكار.

 

- 4 –

دولة القانون تقمع بالقانون والقانون فقط !!

.. يعتز حكام أسرائيل أحيانا كثيرة بأن دولتهم هي دولة القانون ، وعليه نستطيع القول انه ما من خطوة عنصرية أو قمعية إلا ووجدت تخريجا قانونيا لتنفيذها ضد الجماهير العربية ، فالحكم  العسكري البغيض قام على أساس قانوني وهو على اساس المواد 110و111 و122 و125 من أنظمة الطوارئ وأنظمة الدفاع البريطانية للعام 1945م .
تعطي هذه القوانين صلاحيات غير محدودة لنفي السكان وإبعادهم ولاصدار أوامر استبدادية قمعية بإثبات الوجود عدة مرات في اليوم الواحد في مراكز الشرطة وأوامر اعتقال إداري دون أي تحقيق قضائي ، ودون أية تهمة وأوامر ابعاد من البلاد وقذف المواطنين من وراء الحدود  مع تعريض حياتهم للخطر ،وإعلان مناطق معينة مناطق مقفلة يمنع الدخول إليها والخروج منها إلا بتصريح خاص من الحاكم العسكري .
نرى هنا أن هذه القوانين الاستعمارية هي الأساس القانوني للحكم العسكري في القرى والمدن العربية منذ العام 1948حتى إلغائه عام 1966م .
وسأحاول هنا اعتمادا على مصادر وأدبيات الفترة أن أقدم نماذج من وسائل وطرق تنفيذ القمع ضد المواطنين العزل إلا من إيمانهم بحقهم في العيش الكريم في وطن الآباء والأجداد ، وكان الحزب المدافع الأساسي والأمين ضد هذه الاجراءات التعسفية ورفاقه هم أول من تلقى الضربات الصعبة من هذا الحكم العسكري .

 

5-  
يموتون بانتظار التصاريح نماذج ليست للحصر :
1- إبن المواطن إبراهيم بيادسة من باقة الغربية مات بين ذراعي أبيه وهو ينتظر الحصول على تصريح لكي يستطيع نقله إلى الطبيب ( ابراهيم بيادسة هو طيب الذكر المناضل الشيوعي العريق من باقة الغربية ، كان عضوا في اللجنة المنطقية للحزب في المثلث وسكرتيرا لفرع باقة الغربية لعدة سنوات .)
2- ابن المواطن عبد اللطيف محمد ملحم من عرعرة توفي وأمه تحمله بين ذراعيها وهي تنتظر إعطاء التصريح وتدخل أعضاء كنيست من الحزب الشيوعي ( توفيق طوبي ) ومن( مبام – حزب صهيوني يساري إشتراكي اليوم يكون مركبا من حركة ميرتس  )، ولكن الحكم العسكري ألزم بواسطة زلمه أن يوقع والد الفتى أن الموت كان طبيعيا .
3- إبنة المرحوم إبراهيم قاسم صيداوي  من عرعرة واسمها رائقة توفيت بعد أن عادت أمها من مقر الحكم العسكري مباشرة في البيت وذلك بعد أن انتهى وقت إعطاء التصاريح وبسبب اليأس من الواقع ولأن البنت توفيت في البيت بالضبط بعد العودة اعتبر الأهل أنه لا جدوى من تقديم شكوى ، وكما قالت لي والدتها : ( شكونا أمرنا لله ولم يكن بإمكاننا إثبات الحقيقة المرة بأن السبب هو عدم إعطائنا تصاريح .
4- حفيدة المواطن نمر جيوسي من قلنسوة في المثلث ماتت لعدم المعالجة الطبية لأن الحاكم العسكري رفض أن يمنح جدها ( وهي طفلة يتيمة ) تصريحا بالسفر للطبيب لتلقي العلاج حيث لم يكن في تلك الفترة أطباء في قرانا بالمرة .
5- في 28 تشرين الثاني سنة 1954 م رفض الحاكم العسكري إعطاء تصاريح سفر للخضيرة  لتلاميذ الصف الثاني عشر في مدرسة باقة الغربية الثانوية لمشاهدة فيلم " يوليوس قيصر " في إحدى دور السينما هناك حيث يشاهد الطلاب اليهود الفيلم بحرية تامة ، وأراد المعلم من وراء هذه المشاهدة تعميق معرفة الطلاب بإبداع شكسبير وكذلك تعميق المادة التاريخية حول عهد القياصرة في روما القديمة وهي مواد مقرره للتعليم .
6- وفي أيار سنة 1965 رفض الحاكم العسكري في الطيبة إعطاء تصريح لرحلة مدرسية للمربي حسن بشارة عقابا له على مواقفه السياسية ، واستعاض هو وطلابه عن هذه الرحلة بالحضور إلى بيته في بلدة الطيرة معوضين بأسلوب نضالي قضية المنع من الرحلات للانتقام السياسي ذلك لأن نفس الحاكم العسكري أعطى تصاريح للمعلمين الآخرين في نفس الفترة .
7- في نيسان 1954م رفض الحاكم العسكري إعطاء تصاريح سفر للمواطن أحمد الحاج من بلدة كفر قرع في المثلث بالرغم من أنه أثبت أن الهدف من التصريح هو نقل ابنه المريض من أحد مستشفيات الناصرة إلى مستشفى آخر في تل أبيب حسب توصيات الأطباء .
8- أما المواطن محمد عبد الفتاح الناشف من الطيبة وكان صاحب حانوت فقد أرسل خلال عدة أشهر سبع رسائل وطلبات للحاكم العسكري لكي يسافر لتل أبيب لشراء بضائع لحانوته ولكنه حتى تشرين الثاني 1955م لم يكن قد تلقى تصريحا .
9- حكمت المحكمة العسكرية على 14 عاملا من قرية كفر قرع بغرامات مالية تتراوح بين 20-100ليرة لأنهم في طريقهم من كفرقرع للعمل في زمارين ( زخرون يعقوب ) نزلوا في ( برديس حنا ) للانتقال من سيارة إلى أخرى ( وذلك لانه حسب شروط التصريح لا يجوز لهم النزول في أي مكان في الطريق إلى زمارين .
10- المواطن فريد حجازي من طمرة في الجليل ، سافر في 24 نيسان 1954م في الصباح الباكر من قريته لاحضار طبيب لزوجته المريضة ولاضطرابه نسي تصريحه في البيت . وفي الطريق اعتقل وزج في السجن وخرج بالكفالة وقدم إلى المحكمة العسكرية بتهمة الخروج من " منطقة مقفلة "دون تصريح ، على الرغم من أنه كان لديه تصريح .
11- في أيلول 1954 م كان المواطن محمود محمد الحاج محمود من أم الفحم في طريق عودته من يافا إلى أم الفحم ، فصادفه الحاكم العسكري بنفسه واعتقله وفتشه واتهمه بالتهريب ، ولما أنكر التهمة انهال عليه جناب الحاكم العسكري بالضرب المبرح ، ونقل فاقدا للوعي إلى مركز شرطة كركور وهناك قام رجال الشرطة بتحريض كلب الشرطة عليه فعضه ومزق ثيابه ثم نقل إلى مركز شرطة تل أبيب وهناك أطلق سراحه بعد أن ثبتت براءته ولكن بعد أن أصيبت احدى عينيه بضرر بالغ نتيجة التعذيب .
12- وفي الناصرة في أيار 1954م حكم على العامل سعيد حيدر من الناصرة بالسجن لمدة ستة أشهر بتهمة الاخلال بالنظام في مكاتب الحكم العسكري في الناصرة إذ طالب بحقه بالحصول على تصريح سفر بعد أن حرم من ذلك مدة عدة أشهر فاختلق الحاكم العسكري ضده تهمة كاذبة قدم على أثرها للمحكمة العسكرية . أما في 26 أيلول 1954م فقد حكم على عبد الفتاح الزعبي بالسجن خمسة أشهر وعلى جوزيف ديب بالسجن أربعة أشهر وعلى إميل حكيم بالسجن شهرين بتهمة الاشتراك في موكب سلام في الناصرة نظمته الشبيبة الشيوعية في ذلك الوقت .
13- وفي نيسان 1955م نشرت جريدة "الجروزليم بوست " أن مجموع الغرامات التي جمعت في يوم واحد من العرب البدو في النقب في المحكمة العسكرية في بئر السبع بلغت 1340 ليرة وذلك نتيجة مخالفتهم أوامر التنقل العسكرية وانظمة التصاريح وهو مبلغ كبير قياسا لتلك الأيام وإمكانيات المواطنين العرب الزهيدة . أما في حزيران 1955م فقد عادت جريدة جروزليم بوست ونشرت ان 52 عربيا بدويا في بئر السبع قد حوكموا بغرامات مالية بلغت 894ليرة بتهمة السفر بدون تصريح .

 

- 6 –

في هذه المقالة حاولت التوقف عند بعض الأسماء الشخصية التي عانت من الحكم العسكري وهم إخوتنا ورفاقنا آباؤنا وأجدادنا ولكل هذه الأحداث نضالات قام بها الحزب الشيوعي برلمانيا ومن خلال المظاهرات والمنشورات والاجتماعات الشعبية والاحتجاجات  الشعبية وتوقيع العرائض ، ودعم المواطنين معنويا بالوقوف معهم في كل الأحوال ، ولذلك بقي هذا الحزب في ذاكرة شعبنا وسيبقى كذلك ما دام يدافع عن الناس الطيبين والفقراء والعاملين العرب واليهود في كل مكان من هذا الوطن الطيب والمعطاء، ولذلك احتفاليته بالتسعين عاما هي احتفالية شعب كامل بطريق نضالي يجب صيانته .

 

( عرعرة – المثلث )

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشَّباب الخمسة في ذاكرتنا

featured

مصلحة أكثرية شعبنا السوري ومصلحة المستقبل العربي التقدمي

featured

مجتمع جديد ودمقراطية مباشرة

featured

السنة الدراسية الجديدة...مشاكل معقدة وحلول مؤجلة

featured

لن تهب نسائم طيبة من واشنطن

featured

اليوم ستزخ مرتين (بل ثلاثا.. ما الضرر؟!)

featured

بقاء الحال من المحال

featured

مسيرة مليونية ضد العنف والتقاعس!