عندما كنت يافعا في أواخر الستينات من القرن الماضي، كنا نسمع عن الشيوعية انها كلمة محرّمة وقراءة صحف الحزب في حينه كانت تقود إلى ملاحقات وتحقيقات الفسادين في جهاز المخابرات المسمى "شين بيت" وكان هذا جزءا مما دفعني مع غيره لمعرفة لماذا ذلك وأول ذلك، ان تحقيق المبادئ الشيوعية وجعلها حقيقة ملموسة هو الكفيل بتغيير وجه الحياة إلى الأجمل ويضمن سعادتها ورفاهيتها وجماليتها في كنف السلام الدافئ والراسخ والدائم للجميع. ومن الأمور الموجعة والمؤلمة ان الذين يمسكون بزمام السلطة وإدارة شؤون المجتمع لا يتحركون ولا يتقدمون إلى الأمام، وإنما إلى الوراء والى المستنقعات المملوءة بجراثيم الأمراض خاصة العنصرية والسلب والقتل والنهب والاستغلال والاضطهاد والفساد وتجاهل الآخر.
وحكام إسرائيل على سبيل المثال لا الحصر لا يرون يوما في حياتهم اسعد وألذ من الذي تأكد لهم فيه انه جرى فيه هلاك شعب وقتل أطفال في مدارس وعمال في مصانع مدنية، وفي مخيمات لاجئين ومشردين ومنها بحر البقر وأبو زعبل وصبرا وشاتيلا وكفر قاسم ودير ياسين وغيرها الكثير، ومن العوج في الحياة خاصة في إسرائيل ان التفاوت بين الناس بلغ بين العقول والأذواق هو ان يكون نتنياهو في نظر البعض وهم من غلاة عنصريي شعبه خير الناس ومن أخيارهم وأعظمهم، ولكن الحقائق على الأرض وأولها من فمك أدينك تؤكد انه الشر بعينه. واسوأ الوحوش التي شكلها فقط هو شكل إنسان وكأني بالقائمين على النظام وخاصة انكشاف البعض في قضية الاختلاسات والممارسات المشينة يسيرون وفق شعار حاول ان تنهب وتسلب ما تستطيع بغض النظر عن أي شيء، بدلا من ان يكون شعاره ابذل المجهود وفوق طاقتك لكي تتقدم فعلا وكن دائما أحسن من غيرك في أي مجال وخاصة السمعة الطيبة والحسنة لتظل متفوقا في آمال الخير والبر والإحسان وحسن الجوار، وانتصار إسرائيل على فلسطين كان عسكريا وليس سياسيا أي التفوق في القتل وسفك الدماء والغزو والهدم والتدمير والتنكيل حتى بالأطفال، وليست القوة دائما إلى جانب الحق والفضيلة وقوتهم وبغض النظر عن عمرها نهايتها إلى الزوال.
ومعروف ان من يدفع اجر العازف يختار اللحن الذي يعزف واثبت الواقع ان قلب السياسي الرأسمالي خاصة العنصري متحجر والى جانب فقدان الضمير والمشاعر الإنسانية الجميلة والبناءة، يدفعه إلى الموبقات والرذائل ومنها سهولة الضغط على الزناد والاستهتار بحياة وكرامة وإنسانية الضحايا، وكذلك فان بؤس البائسين ونكبات المنكوبين ومناظر العراة والجوعى والمشردين لا تزعجه ولا تثيره لأنه وأمثاله من اوجدوا ذلك وليس القضاء والقدر، وتمر السنون وتتغير الأحوال ولكن إلى الأسوأ والواقع الراهن برهان وذلك ناتج في اعتقادي عن مدى التراجع عن الإنسانية ومشاعرها الجميلة ونواياها الأجمل، وبالتالي إبراز التكشير عن الأنياب السامة وتوجيهها بالأفكار السامة للنهش أكثر والسلب أكثر والدوس علانية على جمالية إنسانية الإنسان، مما يؤكد ان تعاون الناس على البر والتقوى ليس كالتعاون على الإثم والعدوان والإجرام ونتائج ذلك واضحة على الأرض والواقع برهان في كل مجال وبلد.
فماذا لو تألق الناس وتكاتفوا وتشابكت أياديهم علانية في أعمالهم لتعميق أعمال الخير البناءة والمفيدة ضد مواقع الشر وأصحابها وتنقية القلوب والضمائر من لوثات التناحر والعنصرية والطائفية والعائلية وتعبئة الجماهير في صفوف السلام وحسن الجوار والصداقة والمحبة ورؤية وتعميق المشترك، والتقدم الإنساني والعمراني المفيد وليس القتال والدمار وسفك الدماء والعمل الدائم والمثابر على ما يوحد ويوطد العلاقات الطيبة بين الناس لا على ما يفرق ويعمق الضغائن والتنابذ والعداوات، ومن الأقوال التي على الإنسان ان يهتدي بها ما جاء في الحديث النبوي الشريف: الخلق كلهم عيال الله فأحب خلقه إليه انفعهم لعياله، فهل بالتشرذم المتواصل في الشعب الفلسطيني وقواه تنفعون أنفسكم خاصة وانكم تحت الاحتلال فهل من الغرابة ان تلتفوا كأبناء شعب واحد ووطن واحد يرزح تحت الاحتلال وترفضوا تشرذمكم وتتعاهدوا على توحيد الصفوف والتصدي للظالمين كعملاق شامخ بجسد واحد متمثلين بقول: وجعلناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا وان أكرمكم عند الله اتقاكم، فهل من الكرم والتقوى والإيمان التشرذم والعمل على ضرب الوشائج ولتعميق التنابذ والحقد فالابتعاد عن الجهاد لإصلاح ذات البين هو خطيئة كبرى فهل ترضون بذلك.
كذلك فهو عمل من أعمال الفتنة، واستمرارية ذلك الوضع لا بد ان تقود إلى الفتن خاصة في ظل وجود من يتربصون بكم فمن قوته القتل والحصار والعنصرية والاستيطان والتحريض عليكم ليس كمن قوته المحبة وتوطيد الوشائج والدفاع عن الوطن والكرامة، ومعروف ان هناك الطيب والشرير والطيب يسعى لردع الشرير عن ممارسة الشرور، والطيب يؤكد ان كل موت يجب ان يزعزعنا، لكن هناك الموت الأقسى وهو موت الضمائر فعندما تموت لا يبالي أصحابها بما يعملون وللأسف فان موت ضمائر الضحايا المتجسدة في عدم السعي للقضاء على التشرذم ونبذه وتحريمه على الأقل إلى حين كنس الاحتلال يلتقي مع موت ضمائر الطغاة الذين لا يبالون بنتائج أعمالهم الإجرامية، وهذا ما يؤكد الواقع في كل مكان.
