النول العربي وخيوط التعذيب والرفاهية الموجعة

single

*كأن اللهاث العربي توقف عند الغناء فقط. النول العربي الطاغي ينسج القماش الغنائي الآن، فكلنا مطربون ومطربات، وكلنا نرقص، فمن يبيعنا قماش المقاومة والفخر حتى نغطي عرينا..؟!*

//
وظيفة النول هي مد الخيوط طولا وعرضا، ثم صنع مساحة من القماش قابلة للنظر وقابلة للتماسك وقابلة لاختبار التماسك والمتانة. والأنظمة العربية تحولت إلى نول كبير يصنع قماش الذل بمتانة الانحناء والتماسك بذيول الغرب وبالمؤخرة الأمريكية، التي تقدم الصدر والقلب والاحتضان لإسرائيل والمؤخرة للعرب، لدرجة الظن أن هذه المؤخرة قد وجدت خصيصا للعرب لكي تتحول إلى ميادين لممارسة الزنى القومي العربي، وممارسة لعبة شحذ السيوف ورفعها لقطع رؤوس بعضهم البعض.
النول العربي الرسمي تكسر وبعثرت خيوطه الواهية، ومن يراهن اننا ما زلنا خيوطا ذهبية تشع تحت شمس الكبرياء والكرامة هو أعمى، أو كطبل أجوف يدق فوق شجرة الحقيقة المرة. لكن رغم ذلك يؤكد ان الطبل هو كتلة من اللحم ستطعم الجائعين. لقد استخف المراهنون بمشاعرنا القومية لدرجة مسحها وأصبحنا لا نشعر بها، وكأنه لا يكفي المسح حتى أعلنوا عن بيع تاريخنا بميزان القهر. انهم يغيظوننا علنا، وعلينا ضبط الأعصاب والصمت.
في باريس، عاصمة النور والحرية والعدالة والمساواة.. سيقام المزاد العلني الغريب، إذ سيتم في دار للمبيعات عرض 350 أداة تعذيب استعملت ابان الاستعمار الفرنسي للجزائر. تعددت الأدوات في أشكالها واحجامها، وأشهرها أدوات قطع الرؤوس، خاصة التي كان يستعملها فيرناند ميسونيه، أبرز شخصية في مهنة قطع الرؤوس. وكان يعتز بمهنته، خاصة حين يرى الرأس يتدحرج على البلاط أو يتدلى حين يشنق. وهو نادم لأن لحظات الإعدام التي قام بها لم توثق وتصور. المزاد العلني سيفتتح قريبا في وسط باريس، وسيحضر المزاد فيرناند ميسونيه نفسه، الذي ولد في الجزائر عام 1931، وما زال يتمتع برائحة ضحاياه حتى اليوم دون عقاب. وليس من المستغرب ان يمنحه ساركوزي شخصية العام..! لم يعترض العرب على هذا العرض، ولم توجه أية مظاهرة ضد السفارات الفرنسية في الدول العربية عامة، وفي الجزائر خاصة. يقال ان بعض الجزائريين الذين يقيمون في فرنسا احتجوا، لكن احتجاجهم لم يصل إلى حد الرفض الحازم. الرفض المغلف بكشف حقيقة الاستعمار الفرنسي، الذي سرق منهم كل شيء من الثروات إلى إنسانية الإنسان الجزائري.
نعرف ان الشعوب قد توثق وتفتح المعارض والمتاحف لتعرض مراحل معاناتها وصمودها أمام الاحتلال والاستعمار. وقد يتحول التوثيق والمتاحف عند بعض الشعوب إلى دبابيس لنخز الضمائر او المتاجرة سياسيا وعلنا بالآلام والدماء والعظام مثلما يحدث - مع الإسرائيليين - لكن غالبا تكون المتاحف والمعارض وقودا لرفع الهمم والافتخار عند أجيال المستقبل. في خضم عرض أدوات القتل واهانة ذاكرة الشعب الجزائري، واهانة أجداد وآباء هؤلاء الذي قاوموا وناضلوا واستشهدوا، واستخفاف الحكومة الفرنسية التي ما زالت تستمر في قهر الدم العربي والتمرغ فوق حمرته، كأنه بساط لعرض أزياء العقلية الاستعمارية.. في هذا الخضم القاهر، العالم العربي، أو الباب الخلفي للكرامة العربية مشغول بمن فاز في برنامج "عرب ايدل" وهل كارمن المصرية أفضل من دنيا المغربية، داحس والغبراء الميكروفونية!!
ومع كل الهوجة الإعلامية لم يقهرنا الا هؤلاء العرب، الذين تبرعوا بملايين الدولارات حتى تنجح كارمن أو دنيا، وفستان عضو اللجنة المطربة أحلام، الذي تعدى قيمته المليون دولار بسبب الألماس المرصّع، غير السيارات والهدايا الفاخرة التي قدمت للفائزة أو الخاسرة..!! بذخ مالي مقرف يصل إلى حد الغثيان، والى حد الصدمة من هذا الإسهال الدولاراتي، الذي يعيش حالات الفوقية والترفع عن قضايا المجتمعات العربية التي تعاني من الفقر والجوع.
للأسف الفنان العربي يعيش في أبراج عاجية عالية، يبتعد عن قضايا وظروف مجتمعه، والفنان في الغرب يشعر انه ملزم في مد يد المساعدة لمجتمعه وللبشرية، لأنه جزء لا يتجزأ من العالم ومن مجتمعه. عندما تقع كوارث طبيعية أو حروب، أو تبرز قضية سياسية أو اجتماعية، ينزلون ويساعدون بالغناء والتمثيل. يجمعون التبرعات والأموال. يتنازلون عن أجورهم من اجل المشاركة في حمل قضية معينة. لكن عندنا لم نجد من يشارك ويساعد ويقدم المساعدة. أين الفنانون والمطربون من حصار غزة، وما يجري في الضفة الغربية، من الإضراب عن الطعام؟! لو كانت الأسيرة المضربة عن الطعام هناء الشلبي فرنسية، أو أمريكية أو بريطانية أو غيرها من الجنسيات الغربية، لقامت القيامة وتضامنت نساء العالم معها وخرجت المظاهرات النسائية، ووقفت الجمعيات النسائية على رجل واحدة.. لكن ولا مطربة أو فنانة عربية وقفت وتضامنت وأعلنت استنكارها. ان أضواء الفائزة كارمن اشد لمعانا من أنين الأسيرة هناء الشلبي. هذه قواعد اللعبة المرسومة لتحجيم الشخصية العربية. فمن يراقب الفضائيات العربية يجد ان هناك استراتيجية مبرمجة لتفريغ العالم العربي من خلايا الكرامة والكبرياء. تفريغها من الحس الوطني والقومي والإنساني، ونشره على أسطح الفراغ وعدم الانتماء وتثبيتها بملاقط أمريكية فوق حبال عربية. ومن يراقب البرامج التغييبية، التي تطرح لكي تسوق الحناجر الغنائية، يكتشف ان الألقاب أصبحت مهمة القائمين على عملية التفريغ. ورؤية المئات في طوابير المواهب تحول إلى منظر يتكرر في جميع البرامج، كأن اللهاث العربي توقف عند الغناء فقط. النول العربي الطاغي ينسج القماش الغنائي الآن، فكلنا مطربون ومطربات، وكلنا نرقص، فمن يبيعنا قماش المقاومة والفخر حتى نغطي عرينا..؟!

قد يهمّكم أيضا..
featured

مهام جسيمة أمام الجبهة

featured

"مصائب قوم عند قوم فوائد"!

featured

عن الحب والمحبة والصدق والصداقة

featured

حقائق وتساؤلات!

featured

اللاعب الاحتياط

featured

الهدم وتجربة يوم الأرض!

featured

مظاهرة التصدي للعدوان والفاشية مساء السبت

featured

الجولان عربي سوريّ شامخ!