متى سيسقط جنرالات الحروب في اقفاص العدالة

single
في شهر تموز، المعروف بغليان ايامه المناخية والسياسية والعسكرية وثوراته التاريخية، في هذا الشهر تصادف الذكرى السادسة عشر لمذبحة مدينة ( سربرينتشا ) البوسنية ، فقد احيا الشعب البوسني ذكرى اكثر المذابح بشاعة في التاريخ الحديث .
" تشيب الولدان"  ويشيب التاريخ  من تفاصيل هذه المذبحة، التي قامت بها مليشيات صربية بوسنية بدعم وتشجيع من حكومة صريبا المركزية في بلغراد، كان الهدف من ارتكاب هذه المجزرة وغيرها من المجازر هو التطهير العرقي والقضاء على كل مواطني البوسنة والهرسك، اما بالقتل او التهجير.
لكن صمود البوسنيين ومقاومتهم الصلبة للعصابات الصربية واستنكار الاجماع الدولي افشل مخطط الفاشيست من الصرب، كما استخدمت القوة لمنع استمرار هذه المذابح، وتم القبض على غالبية المسؤولين عن هذه المذابح من الصربيين، مدنيين وعسكريين وقدموا للعدالة الدولية ، وقد   انتزع  الشعب البوسني استقلاله، واصبحت البوسنه والهرسك دولة مستقلة .
اليوم تلتقي هذه الذكرى الاليمة الدامية مع ذكرى ليست اقل منها في بشاعتها وممارساتها العدوانية وما خلفته من قتل وتدمير، انها ذكرى الثاني عشر من تموز، بداية العدوان الاسرائيلي على لبنان الذي دام 34 يوماً ، في هذا العدوان استثمرت اسرائيل جميع انواع الاسلحة التدميرية التي زودتها بها عدوة الشعوب الولايات المتحدة، كانت آلة الحرب الاسرائيلية اكثر فتكاً وقتلاً من آلة الحرب الصريبة وآلة الحرب الفرنسية في فيتنام وآلة الحرب الامريكية حتى في العراق، هذا اذا اخذنا بعين الاعتبار مساحة الارض التي دارت فوقها المعارك والكثافة السكانية والنسبة بين القوتين المتحاربتين .
حمل العدوان الاسرائيلي المذكور على لبنان الهدف والاستراتيجية الصريبة ذاتها، وهي التطهير العرقي، داخل لبنان، عن طريق تفريغ الجنوب من  سكانه واقامة بؤر استيطانية يهودية ، كما حدث في سيناء قبل اعادتها وفي قطاع غزة قبل "الانسحاب الاحادي الجانب"، والهضبة السورية المحتلة والاستيطان في الضفة الغربية ، خلال العدوان المذكور تم تدمير العديد من المرافق الحيوية في جنوب ووسط وشرق لبنان ، كالجسور وطرق الامدادات والمصانع والمزارع ومحطات ضخ المياه ومحطات توليد الطاقة وغيرها . كما تم تدمير آلاف المنازل والمؤسسات، خاصة في بيروت وصيدا وصور،  ضمن ما يعرف بسياسة الأرض المحروقة والدمار الذي هو جزء من عقيدة الإعتداء التي تميّز الجيش الاسرائيلي .
المصيبة ان شرارة الحرب انطلقت من ( قاهرة مبارك )، وبالتواطؤ مع نظامه، فقد اشعلت اسرائيل فتيل هذه الحرب بعد زيارة وزيرة خارجية حكومة اولمرت، تسيبي ليفني،  للقاهرة، زيارتها التي  اكدت  ان التنسيق كان متكاملاً ومدروساً بين اسرائيل وامريكا وقوى عربية رجعية اخرى، المؤسف، انه حتى اليوم لم يفتح المدعي العام المصري هذا الملف ولم يذكره احد من قادة الثورة او من داخل حكومة عصام شرف والمجلس العسكري الحاكم في مصر  .
كما ان ملف التواطؤ بين نظام مبارك وبين اسرائيل، اثناء عدوان الاخيرة على قطاع غزة لا زال مغلقاً ، وقد اشرف عمر سليمان، المعروف بتعاونه مع اسرائيل، على طبيعة هذا التواطؤ والتعاون .
كان الهدف الرئيسي للعدوان الاسرائيلي على لبنان، في الثاني عشر من تموز سنة 2007، تدمير المقاومة اللبنانية لأنها  صمام الأمان الذي ساعد لبنان في الحفاظ على هويته العربية، ومنع تمرير المشروع الامريكي- المصري – السعودي، الذي تحدث عن اقامة شرق اوسط جديد، كما اعترفت وزيرة خارجية الولايات المتحدة، كوندليزا رايس آنذاك ، بهدف التخلص من جميع قوى الممانعة خاصة سوريا وايران .
افشل صمود المقاومة التاريخي كل هذه المخططات وأكد ان ارادة الشعوب لا تقهر، كما ان فشل هذا العدوان جعل القيادات الاسرائيلية السياسية والعسكرية تعيد النظر في حساباتها قبل القيام بأي عدوان على دولة عربية. وقد اعتبر العديد من المؤرخين والمحللين فشل اسرائيل هزيمة لآلتها العسكرية ومنعطفاً في تاريخها العسكري، ما اكد ذلك تكرار الفشل في عدوان اسرائيل على قطاع غزة، ورغم ان قدرات المقاومة الفلسطينية اقل بكثير من قدرات المقاومة اللبنانية خاصة ان هذه المقاومة محاصرة من جميع الجهات .
ان حرب لبنان الثانية، كما ارادت اسرائيل تسميتها، والعدوان الاخير على غزة اثبتا بأن زمام المبادرة لم يعد بأيدي اسرائيل وحدها، وان قوة آلة الحرب الاسرائيلية غير قادرة على حماية العمق الاسرائيلي وجبهتها الداخلية، ولم يعد باستطاعة الجيش الاسرائيلي نقل المعركة فوق الارض العربية فقط دون ان يتعرض الداخل الاسرائيلي الى ضربات موجعة ودامية .
ما يميز اسرائيل عن بقية دول العالم التي خاضت حروباً متتالية ان القيادة السياسية والعسكرية فيها تبدأ تخطط لحرب قادمة مع انتهاء كل حرب تخوضها، هكذا فعلت المانيا القيصرية، قبيل الحرب العالمية الاولى، والمانيا النازية قبيل الحرب العالمية الثانية، وهذا ينطبق اليوم على حكومة نتنياهو – براك - ليبرمان ، هذا الثالوث البشري لا يفكر سوى بالحرب والعدوان والتوسع ورفض كل مبادرات السلام مع الشعب الفلسطيني. هذا الثالوث غير نادم على الجرائم التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق اللبنانيين سنة 2007 وبحق الفلسطينيين سنة 2008 .
ان التغطية المعنوية والقضائية لجميع من اتهموا بأنهم مجرمي حرب مثل براك ، عمير بيرتس ، ليفني ، موفاز وغيرهم، ما زالت تحاول شد اقنعة هؤلاء وابرازها كوجوه سياسية فوق القانون ومدللة في الساحات السياسية ، و بأن اسرائيل لا تزال فوق القانون - رغم محاولة اعتقال بعضهم في بلجيكا وبريطانيا وايطاليا -  ولا تزال الحصانة الدولية تحيطهم باحضانها المتفهمة لعدوانهم.
في الوقت الذي قامت فيه جمعيات حقوق الانسان الدولية بتأليب الرأي العالمي ضد القادة الصربيين الذين اتهموا بأنهم مجرمي حرب وتم القاء القبض عليهم وتقديمهم للعدالة وكان آخرهم ( كرادوفيتش ) ، هناك مجرمين طلقاء يتمتعون بحياة العظماء .
السؤال: ماهو الفرق بين هذا الضابط الصربي وبين ايهود براك وموفاز واشكنازي والقائمة طويلة ؟؟ جميعهم في حفرة المسؤولية يغطسون في دماء ضحاياهم.
 
لولا فسحة التفاؤل المعنوي والسياسي  وقول الشاعر:
من انجبوا بالأمس مسخا هتلرا
يلدون هذا اليوم مسخا هتلرا
يتكرر السفاح في ارحامهم
من قال يوم النصر لن يتكررا
 
لكان التاريخ له مذاق الوجع الانساني الى حد القهر
قد يهمّكم أيضا..
featured

فلسفة الكلمة و فلسفة المكان

featured

دولة متخلفة في الحقوق الاجتماعية

featured

فعلها مرّة أخرى

featured

طعنة للدمقراطية

featured

أ.ب. يهوشع وعارهم في الخليل

featured

إتفاق يبشّر خيرا!