فاجأني وخيّب أملي مقال صديقي الكاتب الإسرائيليّ الكبير أ.ب. يهوشع في صحيفة "هآرتس" يوم الجمعة 24 حزيران 2016 بعنوان "واجب معسكر السّلام" يدعو فيه "معسكر السّلام الإسرائيليّ على جميع اتّجاهاته" ونوّاب القائمة المشتركة إلى الضّغط على الرّئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس كي يستجيب لدعوة نتنياهو إلى مفاوضات مباشرة بدون شروط مسبقة مع أنّ يهوشع "يعرف ازدواجيّة رئيس الحكومة وتصريحاته الفارغة وألاعيبه السّياسيّة المحتالة" ويعرف أيضا "أن لسانه وقلبه غير سويّين" ولكنّه أي الكاتب يهوشع، يصرّ بأنّ "على الرّئيس عبّاس الاستجابة لدعوة نتنياهو مهما كانت نتائجها" ثمّ يستدرك كاتبا "حتّى لو نتج عنها تحسين قليل جدّا في العلاقات بين الشّعبين" ويذكر بعض النّتائج التّي يمكن تحقيق واحدة منها مثل:
- إخلاء البقع الاستيطانيّة غير القانونيّة. (هل هناك مستوطنات قانونيّة يا صديقي؟)
- إعادة مساحة صغيرة من منطقة c إلى السّلطة الفلسطينيّة. ( هل يرضى شعبنا بفتات المائدة؟ وهل ناضل ويناضل من أجل دونم هنا ودونم هناك أم من أجل الانسحاب الكامل؟).
- توزيع عادل للمياه. (يدرك يهوشع أنّ المياه فلسطينيّة وأنّ الاحتلال يسرقها ويترك أصحابها عطاشا).
- تحسين ظروف الأسرى الفلسطينيّين. (تحسين ظروف وليس إطلاق سراح عدد من الأسرى الذين قضوا أكثر من عشرين عاما في سجون الاحتلال أو الأسرى المرضى على الأقلّ).
استغربت من فحوى المقال ومن توقيته فقد أضرب سجناء إداريّون فلسطينيّون عن الطّعام أشهرا وتعرّضوا لخطر الموت ولم نسمع صوت يهوشع. وتعدم قوّات الاحتلال الشّبّان الفلسطينيّين يوميّا ولم ينبس يهوشع ببنت شفة. واعتقلت قوّات الاحتلال مئات الأطفال الفلسطينيّين في الأشهر الأخيرة ولم يكتب يهوشع كلمة واحدة يحتجّ فيها على ذلك. وتعاني مدن وقرى فلسطينيّة من العطش في هذا الصّيف الحارّ ولم يتكلّم يهوشع. ويعيث غلاة المستوطنين فسادا في الحقول الفلسطينيّة ويعتدون على البيوت وعلى الشّيوخ والنّساء ولم نسمع صوت يهوشع. وحرق المستوطنون الفتى محمّد أبو خضير ثمّ عائلة دوابشة ولم نسمع كلمة من يهوشع.
صمت يهوشع دهرا ثمّ نطق... وهو يدرك أنّ نتنياهو يسعى إلى مفاوضات عبثيّة ليخفّف الضّغط الدّوليّ عليه ولتساعده في مواجهة المبادرة الفرنسيّة ولتعطيه فرصة أوسع لبناء مستوطنات جديدة، كما أنّ يهوشع يدرك أنّ الرّجل لا يلتزم باتّفاق ما حتّى ولو رعته صديقة إسرائيل الكبرى ويدرك أيضا أن الرّئيس عبّاس قدّم الكثير الكثير من أجل السّلام ولكنّ حكّام إسرائيل لا يسمعون كلامه ولا يرغبون بالسّلام.
لماذا اختار يهوشع أن ينتقل من يسار نتنياهو إلى يمينه ويروّج لاكذوبته الكبرى؟
في السّتينات من القرن الماضي وفي أثناء الثّورة الجزائريّة أطلق الكاتب الفرنسيّ الكبير جان بول سارتر صرخته "عارنا في الجزائر" فمهّد لظهور شارل ديجول الذي أجرى مفاوضات مع قادة الثّورة الجزائريّة وأدّت إلى انسحاب فرنسا من الجزائر واستقلالها. وفي إسرائيل كتّاب معروفون محليّا وعالميّا فهل سيطلق أحدهم صرخة "عارنا في غزّة، أو في الخليل، أو في جنين" وعندئذ سيولد ديجول إسرائيليّ يخلّص الشّعب الإسرائيليّ والشّعب الفلسطينيّ من الاحتلال وموبقاته وجرائمه ويعيش الشّعبان بأمن وسلام.
