التنظيمات تؤيّد المقاومة الشعبية كلاميًا فقط!
- تنهمك القيادة الرسمية الفلسطينية، على امتداد أسابيع عديدة، في صياغة رسالة الى نتنياهو، تعرض فيها مطالبنا الوطنية، ومن بعد ذلك في مراسيم تسليم هذه الرسالة! يذكرنا هذا بالبيزنطيين الذين كانوا منهمكين في نقاش ساخن: هل الملائكة رجال أم نساء؟ بينما كان محمد الفاتح، أواسط القرن الخامس عشر، يدكّ حصون الآستانة (استانبول) على رؤوسهم!
* بيرس يعتبر الانقسام الفلسطيني أحد أهم الانجازات الاسرائيلية، بينما رئيس وزرائه يطلق التهديدات، بالويل والثبور، لمجرد الحديث عن استعادة الوحدة الفلسطينية. واذا كانت ايران تتحيّز الى أحد طرفي الانقسام، فهذا عنصر ثانوي وهامشي في هذا الشأن، خصوصا وأن دول الخليج تدعم الطرف الآخر في هذا الانقسام
* يبدو أن التنظيمات، وبخاصة اليسارية، فقدت مخالبها وأنيابها، فلا أثر لها، عموما، في هذه المواجهات، بل يقتصر ظهورها وراياتها، التي بهتت، في استعراضات الشوارع، في المدن الفلسطينية البعيدة عن مدى التماس مع قوى الاحتلال. ناهيك عن سكوتها، وعدم تصديها للممارسات السياسية الخاطئة للقيادة الفلسطينية
اذا كان للمرء أن يصف، بكلمة واحدة، حالة الساحة الفلسطينية، اليوم، فلن يجد أكثر انطباقا على هذه الحالة من كلمة الجمود! هذا، بينما المنطقة من حولنا تغلي كالبركان بالأحداث، والعالم من ورائها، يمرّ بمخاضات نوعية. واذا كان العالم من حولنا يتحرك ونحن في حالة جمود، فهذا يعني، بالمعايير النسبية أننا نتقهقر. والجمود هو نوع من العدمية. يتعرّض الكاتب الروسي المعروف، نيكولاي غوغول، في رائعته: "النفوس الميتة" لشخصية اقطاعي، اسمه مانيلوف، كان كلما دخل أحدهم مكتبه يحذره من الجلوس على أحد المقاعد، بدعوى أنه تحت التصليح، ويتساءل غوغول: الله وحده يعلم منذ متى وهذا المقعد تحت التصليح! وقد أعجب هذا الترميز للعدمية ستالين، فأدخل على قاموس الأدب السياسي السوفياتي تعبير "المانيلوفية" - نسبة الى مالينوف – كرمز للعدمية.
وهذا التوصيف السلبي لا ينطبق، في الساحة الفلسطينية،على القيادة الرسمية وحسب، بل وبنفس المقدار، على التنظيمات، دون استثناء. فبينما تضاعف السلطات الاسرائيلية وتيرة الاستيلاء على الأرض الفلسطينية واقامة المزيد من المستوطنات فوقها، وتسرّع خطوات استكمال تهويد القدس، وتقضم الادارة المدنية الاسرائيلية التي أعيد تشكيلها وتوسيعها، ما تبقى من صلاحيات محدودة، بموجب اتفاقات أوسلو، للسلطة الفلسطينية.. تنهمك القيادة الرسمية الفلسطينية، على امتداد أسابيع عديدة، في صياغة رسالة الى نتنياهو، تعرض فيها مطالبنا الوطنية، ومن بعد ذلك في مراسيم تسليم هذه الرسالة! يذكرنا هذا بالبيزنطيين الذين كانوا منهمكين في نقاش ساخن: هل الملائكة رجال أم نساء؟ بينما كان محمد الفاتح، أواسط القرن الخامس عشر، يدكّ حصون الآستانة (استانبول) على رؤوسهم! أما تساؤلات التعجب والاستغراب التي تثيرها قصة هذه الرسالة، فهي: ألم تكن السنوات الثماني عشرة من المفاوضات التي انقضت كافية لعرض هذه المطالب؟! أم أن الأمر لا يعدو أن يكون أعذارا واهية جديدة لتبرير مواصلة الدوران في الحلقة الشيطانية، التي هي أشيه بمفاوضات الذئب والحمل، بالرعاية الأميركية المتحيّزة على رؤوس الأشهاد للمحتلين الاسرائيليين؟!
والمفارقة المثيرة، في هذه العودة لمحاولة استخراج الزبدة من الماء! والتي يعتبرها بعض المراقبين نوعا من العودة الى بيت الطاعة، أنها تأتي بعد تجربة ناجحة، حين توجهنا، تحت تأثير الحراك الشعبي العربي الهائل، في العام الماضي، الى الأمم المتحدة؛ حيث بدا للعيان حجم المخزون الهائل من التأييد والعطف على قضيتنا العادلة في الساحة الدولية، وما حققناه من مكاسب، كان في عدادها عضوية فلسطين في منظمة اليونيسكو الهامة، رغم ارادة الاسرائيليين والأميركيين. وساد الاعتقاد، حينها، أن هذه النتائج الايجابية الملموسة ستدفع القيادة الفلسطينية بعزيمة مضاعفة للآنطلاق على مسار هذا الخيار الصحيح والمجرب بنجاح، ولا سيما لكسب عضوية بقية مؤسسات الأمم المتحدة وكذلك عضوية الدولة المراقبة في الجمعية العمومية ؛ بحيث يغدو من حقنا أن نتوجّه الى المنظمات الدولية المعنية بمظالمنا، وما أكثرها، ضد ممارسات سلطات الاحتلال الاسرائيلية، بدءا بالاستيطان الكولونيالي المخالف للشرائع الدولية وانتهاء بقضايا الآلاف من سجناء الحرية الذين يعاملون كمجرمين وعلى مدى عشرات السنين.
- القيادة وهاجس السلطة
ومن الواضح أن الهاجس المسيطر على حسابات القيادة الفلسطينية، اليوم، هو السلطة، التي تحوّلت من أداة الى غاية في حد ذاتها، تعلو فوق القضية الوطنية. ومن المعروف أن اتفاقات أوسلو سمحت بتشكيل سلطة مؤقتة، الى حين انتهاء مفاوضات المرحلة النهائية، التي كان مقدرا لها العام 1999. حينها سيطر الوهم على القيادة الفلسطينية بأن الدولة المستقلة أصبحت مضمونة وحتى قبل تحرير الأرض - العنصر الحاسم في هذا الصدد. وقد ترتب على هذا الوهم أمران في غاية الخطورة، الأول: أن منظمة التحرير الفلسطينية، التي نشأت، تاريخيا، لتقود نضال الشعب الفلسطيني، في الداخل والخارج، نحو تصفية الاحتلال الاسرائيلي وتحقيق الاستقلال الوطني وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الأمم المتحدة.. هذه المنظمة، أكملت مهمتها التاريخية ولم يعد لها من ضرورة أساسية، وبالتالي: جرى اهمالها وتجريدها من صلاحياتها، وضرب دورها، كرباط نضالي حي بين أقسام شعبنا في الداخل والخارج؛ والأمر الثاني هو التركيز على هذه السلطة المحدودة الصلاحيات وتضخيمها، حتى غدت أجهزتها تزيد عن المئة والسبعين ألف موظف، اعتقادا – واهما- أنها ستفرض نفسها على الاحتلال، كدولة مستقلة، بحكم الأمر الواقع، متجاهلين دروس التاريخ بأن الأمر الواقع يفرضه القوي على الضعيف وليس العكس.
وهكذا، غدا تمويل هذه السلطة وجهازها المتضخم، بمثابة الأنشوطة التي نسجتها القيادة الفلسطينية حول عنقها. والممولون، بدورهم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، يجيدون استعمال هذه الأنشوطة ضد الضحية. واذا كنا غير مستعدين للتفريط بهذه السلطة التي نشأت وتضخمت قبل الأوان، فان تمويلها أصبح السلاح البتار في يد أعدائنا. وهكذا أصبحت القضية الفلسطينية أمام مأزق السلطة وتمويلها. يقال أن أحدهم أقام كومة من الحجارة وسط الطريق وعلّق فوقها فانوسا أحمر. وراح، اذا سأله أحد: لماذا الفانوس الأحمر؟ يجيب: حتى لا يتعثر أحد بالحجارة! واذا سئل ولماذا كومة الحجارة ؟ يجيب: لتعليق الفانوس الأحمر فوقها!
عدا ذلك، فان هذا النهج العدمي المهادن، راح يورّط الساحة الفلسطينية في صراع المعسكرات العربية والاقليمية المحتدمة هذه الأيام. فبالأمس تخلينا عن دورنا في رئاسة دورة الجامعة العربية لصالح قطر، ليتزعّم أميرها المواجهة مع سورية، واليوم يشنّ مسؤولون فلسطينيون الهجوم على ايران، بدعوى أنها تعرقل استعادة الوحدة الفلسطينية. ولا ينطبق على هذا المنطق الاّ المثل القائل: رمتني بدائها وانسلّت! فمسؤولية هذا الانقسام واستمراره تقع، في الأساس، على عاتق كل من حماس وفتح، لاعتبارات ومصالح فئوية، بينما المستفيد الأساسي هو الاحتلال الاسرائيلي. فالرئيس الاسرائيلي شمعون بيرس، يعتبر أن هذا الانقسام أحد أهم الانجازات الاسرائيلية، بينما رئيس وزرائه يطلق التهديدات، بالويل والثبور، لمجرد الحديث عن استعادة الوحدة الفلسطينية. واذا كانت ايران تتحيّز الى أحد طرفي الانقسام، فهذا عنصر ثانوي وهامشي في هذا الشأن، خصوصا وأن دول الخليج تدعم الطرف الآخر في هذا الانقسام. أما التنظيمات الفلسطينية، وبخاصة اليسارية فتتحمّل نصيبها من المسؤولية عن استمرار هذا الانقسام لعجزها وفشلها، في تعبئة الشارع الفلسطيني، المعارض بغالبيته الساحقة لهذا الانقسام واستمراره ؛ للضغط وارغام كل من فتح وحماس للتخلي عن دوافعهما الذاتية – الأنانية الكامنة وراء هذا الانقسام.
على صعيد آخر، فالتنظيمات الفلسطينية كافة، وآخرها حماس، أعلنت تبنيها للمقاومة الشعبية غير العنيفة. لكن ما يجري على الأرض يبرهن أن هذا التبنّي لا يتجاوز الاعلان واللفظ. فالمواجهات الأسبوعية مع قوات الاحتلال، في مواقع التماس تجري بمشاركة بعض العناصر من اعداء الاحتلال من الاسرائيليين والمتضامنين الأجانب والبعض من السكان المحليين. أما التنظيمات، وبخاصة اليسارية، التي يبدو أنها فقدت مخالبها وأنيابها، فلا أثر لها، عموما، في هذه المواجهات، بل يقتصر ظهورها وراياتها، التي بهتت، في استعراضات الشوارع، في المدن الفلسطينية البعيدة عن مدى التماس مع قوى الاحتلال. ناهيك عن سكوتها، وعدم تصديها للممارسات السياسية الخاطئة للقيادة الفلسطينية، مما يعني أنها ليس فقط تدجنت، بل وغدت أسيرة نفس هاجس القيادة المتعلق بالسلطة واستمرار تمويلها، بخاصة وأنها رتّبت أمورها على أساس الفتات الذي تناله من هذا التمويل.
فهل يمكن الخروج من حالة الجمود والتقهقر هذه دون اعصار شعبي يحيل المياه الآسنة الى نهر هادر، ينهض بالقضية الفلسطينية من الوضع البائس الذي تعيشه اليوم، ويتماها، في الوقت نفسه، مع ما يجري من حولنا، اقليميا ودوليا من متغيرات؟!
