هل من جديد في جدلية التطور والصراع في المنطقة؟

single
تشهد ساحة التطور والصراع في الشرق الاوسط حراكا سياسيا ديناميا لبلورة طابع الهوية السياسية لبلدان وشعوب المنطقة حاضرا ومستقبلا وتحديد مكانتها من موازنة الصراع اقليميا وعالميا. فمن الملامح البارزة لهذا الحراك السياسي لقاء القمة الثلاثية في مدينة الرياض السعودية بمشاركة الرئيس المصري حسني مبارك وملك السعودية والرئيس السوري بشار الاسد وتحت يافطة تعزيز المصالحة العربية التي تمت في قمة الكويت الاقتصادية، خاصة بين السعودية وسوريا، وانطلاق ومباشرة عمل لجان الحوار الفلسطيني الخمس في القاهرة لتجاوز حالة الانقسام الكارثي واعادة اللحمة الى وحدة الصف الوطنية الفلسطينية المتمسكة بثوابت الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف وبمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد وشرعي للشعب العربي الفلسطيني وبذل الجهود لاقامة حكومة وحدة وطنية فلسطينية لمواجهة التحديات التي تعترض طريق النضال من اجل التحرر والاستقلال الوطني، هذا في وقت بدأت فيه الادارة الامريكية الجديدة ممارسة اعمالها وتأكيد الرئيس براك اوباما على تكثيف الجهود الامريكية لحل الصراع الاسرائيل – الفلسطيني سلميا على اساس دولتين متجاورتين اسرائيل وفلسطين، وتوكيل مبعوث خاص، جورج ميتشل لمعالجة هذه القضية، وقد حضر الى المنطقة مرتين، مرة لوحده ومرة برفقة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، كما لا يمكن غض النظر عن الدور التركي النشيط في المنطقة ودور ايران المؤثر، وكذلك قيام حكومة يمينية متطرفة في اسرائيل برئاسة نتنياهو تعتبر اكثر حكومات اسرائيل عداء للحقوق الوطنية الفلسطينية وللسلام العادل وللمساواة وللدمقراطية والعدالة الاجتماعية.
الجديد الذي يكمن في جوهر ومدلول هذا الحراك السياسي انه يجري في اجواء ومناخ المبالغة في تقييم السياسة الخارجية الامريكية لادارة اوباما، المبالغة في تقييم التغيير الحاصل في التوجه وتحديد الموقف على ساحة العلاقات الدولية ومن قضايا الصراع في المنطقة وعالميا وبشكل يختلف عن السياسة الخارجية التي انتهجتها ادارة بوش. والتأكيد ان لجوء ادارة اوباما الى حل قضايا الصراع سياسيا عن طريق الحوار بدلا من ممارسة دور الشرطي البلطجي العربيد لحل القضايا بقوة الذراع العسكري وبممارسة عولمة ارهاب الدولة الامريكية المنظم التي مارستها ادارة جورج دبليو بوش، التأكيد بالادعاء ان الامبريالية الامريكية غيرت استراتيجيتها العدوانية وخلعت طاقم انيابها المفترسة!! هذا ما يروج له المسبحون بحمد امريكا من المدجنين في خدمة استراتيجية الهيمنة الامبريالية الامريكية ومصالحها في المنطقة وكونيا. وحسب رأينا المبني على الموضوعية والعلمية ومعطيات الواقع انه يجب وضع موقف ادارة اوباما، سياستها الخارجية في الموازنة الصحيحة. صحيح ان العالم تنفس الصعداء بانقلاع ادارة بوش واليمين المحافظ عن سدة الحكم، وان ادارة اوباما دون شك افضل ويوجد فوارق في السياسة الخارجية والداخلية بين ادارة بوش وادارة اوباما، ولكنها فوارق لا تغير جوهريا من الطابع الامبريالي الامريكي، فبرأينا ان ادارة اوباما احدثت تغيرا في التكتيك وليس في الاستراتيجية الامبريالية للهيمنة كونيا خدمة لمصالحها الاستراتيجية السياسية والاقتصادية، التغيير في النهج وليس في جوهر المنهج، فلجوء ادارة اوباما الى انتهاج سياسة خارجية على الساحة الدولية، وخاصةفي معالجة قضايا الصراع، اللجوء الى تبني نهج الحوار لحل القضايا سياسيا جاء على خلفية ما يلي:
* اولا: الفشل الذريع لسياسة الهيمنة الامريكية كونيا عن طريق القوة العسكرية والعدوان والاحتلال، فشل الاحتلال الانجلوامريكي للعراق رغم مجازره الوحشية وجرائمه الهمجية ضد الشعب العراقي في كسر شوكة المقاومة العراقية او تدجين شعب الرافدين في محراب الخنوع للغزاة. وفشل الاحتلال الامريكي – الاطلسي لافغانستان في اطفاء لهيب المقاومة لكنسه والتخلص من دنس وجوده وجرائمه، وفشل الحرب العدوانية الاسرائيلية – الامريكية على لبنان في كسر شوكة المقاومة اللبنانية واقامة نظام مدجن امريكيا – اسرائيليا وهزيمة المعتدين عسكريا وسياسيا، فشل المحتل الاسرائيلي المدعوم امريكيا في املاء تسوية على الشعب الفلسطيني وقيادته تنتقض من ثوابت الحقوق الوطنية، كما فشلت حرب الابادة والتدمير الاسرائيلية على قطاع غزة وما ارتكبه وحوش الغاب من جرائم حرب في تحقيق اهدافهم السياسية المرسومة.
* ثانيا، اذا كانت ادارة بوش واليمين المحافظ تمثل مصالح الشريحة الرجعية من الطغمة المالية الناشطة في مجال الانتاج والاتجار بالاسلحة وفي مجال النفط ومن مصلحتها الطبقية تأجيج بؤر الصراع والتوتر واشعال الحروب، فان ادارة اوباما والحزب الدمقراطي يمثلون بالاساس مصالح الشريحة من الطغمة المالية الناشطة في مجال الاقتصاد المدني من صناعة مدنية وزراعة وبنوك وخدمات، ولهذا فمن مصلحتها سيادة استقرار وهدوء نسبي على ساحة العلاقات الدولية يوفر مناخا ملائما لانتعاش التجارة الدولية في ظل العولمة.
* ثالثا: الاعصار المدمر للازمة المالية – الاقتصادية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة الامريكية، حيث يواجه الاقتصاد الامريكي مخاطر ازمة غير مسبوقة يثقل ويعمق تدهورها ميزانية عسكرية وانفاق عسكري على السياسة العدوانية يقدر اكثر من تريليون (الف مليار) دولار ودين حكومي متراكم يقدر باكثر من اربعة عشر تريليون دولار وهذا يضع على كاهل ادارة اوباما وضع علامة سؤال كبيرة حول حجم الميزانية العسكرية والاستعانة باستمارات وتوظيفات ودعم الانظمة المدجنة امريكيا من بلدان البترودولار الخليجية للتوظيف في امريكا في البنوك والبورصة وفي شراء السلع المصنعة الاستهلاكية والسيارات والاسلحة الامريكية.
انطلاقا من هذه الحقائق والمعطيات فان تكتيك ادارة اوباما، التكتيك الامبريالي الامريكي الجديد مبني على اساس انجاز الاهداف الاستراتيجية وضمان المصالح الامبريالية الامريكية بالوسائل السياسي والتي فشلت سياسة "القبضة الحديدية" ومنطق القوة والبلطجة العدوانية في تحقيقها، والى جانب هذا التوجه السياسي العمل بشكل منهجي على تشويه وطمس حقيقة وجوهر التناقض الاساسي والصراع الاساسي ان كان في منطقتنا او عالميا، ففي منطقتنا تروج الدوائر الامبريالية الامريكية والفرنسية والبريطانية والانظمة الرجعية العربية الساجدة في المحراب الامبريالي والمتواطئة مع استراتيجيتهم في المنطقة وكأن الخطر الاساسي الذي يواجه بلدان وشعوب المنطقة ليس المخطط الاستراتيجي الامبريالي الذي ينتهك السيادة السياسية المستقلة للانظمة الدائرة في فلك التبعية للامبريالية، وينهب ثروات وخيرات بلدانها من نفطر وغيره، بل الخطر يكمن في العدوانية الايرانية، في المطامع الايرانية لبسط نفوذها في المنطقة كما يكمن الخطر حسب ادعاء الامبرياليين وخدامهم – في التوسع الشيعي الايراني على حساب السنة في البلدان العربية!!
اننا لا ننكر حقيقة ان النظام الايراني يسعى لتعزيز دورة الاقليمي وزيادة نفوذه كقوة مركزية مؤثرة في الشرق الاوسط ولها علاقات وطيدة ومع بعض حركات المقاومة في لبنان مع حزب الله ومع القوى الصدرية في العراق ومع حماس في المناطق الفلسطينية المحتلة ومع سوريا وغيرها، ولكن يبقى الخطر الاساسي والتناقض الاساسي من قبل الامبريالية الامريكية التي تحتل العراق وتساند الاحتلال الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية والتي تدجن وتسند ظهر الانظمة، الرجعية العربية وتعمل وتنشط تحت غطاء مقاومة مخاطر النفوذ الايراني الاقليمي بلورة اطار تحالفي من الانظمة العربية "المعتدلة" وتركيا واسرائيل يخدم مصالح الاستراتيجية الامبريالية في الشرق الاوسط. ولقاء الرياض الثلاثي، السعودي – المصري – السوري، لا يخرج من اطار المساعي المبذولة لاقامة حلف سياسي مدجن امبرياليا. والاختفاء وراء قناع المصالحة العربية جاء للتضليل ولطمس الاهداف الحقيقية من وراء المصالحة، فهل هذه المصالحة جاءت لبلورة موقف كفاحي عربي موحد للدفاع عن المصالح القومية الوطنية العربية وطرح هذا الموقف في مؤتمر القمة العربية في الثلاثين من شهر اذار الحالي!! ان الهدف الذي يتوخاه خادما الاستراتيجية الامريكية، الرئيس المصري والملك السعودي، هو الضغط لتدجين النظام السوري في المحراب الامريكي، ابعاد سوريا عن ايران وعن حركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية. فتدجين النظام السوري يضمن للمتآمرين على مصالح الشعوب العربية ان يكون مؤتمر القمة القادم في الدوحة القطرية مؤتمرا معتدلا بعيدا عن اتخاذ أي قرار عملي يخدم بجدية القضية الفلسطينية والمصالح الوطنية للشعوب العربية، وبعيدا عن أي ادانة او اجراء ضد المخططات والمواقف الامبريالية ضد الشعوب العربية، وبالمقابل توجيه السهام السامة الى ايران التي تواجه خطر عدوان اسرائيلي – امبريالي مغامر عليها. املنا ان لا يسقط النظام السوري في المصيدة الامريكية التي ينصبها له نظاما التواطؤ في السعودية ومصر. كما نتأمل ان تنجح لجان الحوار الفلسطيني في تسوية الخلافات الفلسطينية واعادة اللحمة الى وحدة الصف الوطنية الكفاحية وان لا تنجح قوى التخريب في اختراق عمل اللجان لعرقلة مساعي التسوية الوطنية الفلسطينية وبهدف استغلال الفشل والفرقة الفلسطينية للضغط باتجاه ابتزاز تنازل سياسي فلسطيني يوافق على املاء حل اسرائيلي – امريكي وبتواطؤ عربي مدلوله السياسي الانتقاص من ثوابت الحقوق الوطنيةالفلسطينية. املنا ان تخيب فصائل شعبنا امل المتآمرين على حقوق شعبنا بالتوصل الى حكومة وفاق وطني وتعزيز مكانة  ودور م.ت.ف.
قد يهمّكم أيضا..
featured

كان في الميدان، أكبرهم سناً وأكثرهم شجاعة

featured

حزب التحرير يتحدّث عن نفسه

featured

جَـادَّة الاحتفالات الميلاديّـة

featured

صد الفاشيين بتقويض مشروعهم

featured

"أبونا عوّاد" أيقونة عبلينيةّ

featured

الثورة المضادة اسمها كاميليا