الثورة المضادة اسمها كاميليا

single

لقد جاءت أحداث امبابة الأخيرة لتسجل أعنف حدث طائفي في مصر فى مرحلة ما بعد الثورة، سواء من حيث عدد الضحايا أو المصابين ، أو من حيث قيمة الخسائر والتلفيات، ونجم عنها احراق كنيستين وعدد ليس بالقليل من المنازل والمتاجر المملوكة للمسيحيين، وتحدث بعضهم عن الاعتداء على أحد المساجد. وهو ما يجعل هذه الأحداث ممثلة لنقطة انعطاف خطيرة فى منحنى المشكلة الطائفية فى مصر. فهى تنذر بتحويل الأمور من مجرد احتقانات طائفية محدودة الى الانزلاق الى ما هو أسوأ، وهذا بلا شك ما لا يتمناه أحد من الوطنيين المخلصين في داخل مصر والمحبين لها في خارجها. ولكنه بالطبع سيلاقي هوى واغتباطا كبيرا عند من لا يريدون لها الخير، وهؤلاء كثيرون بلا شك، ولهم مصلحة مباشرة فيما حدث ويحدث من أزمات ومشكلات تواجه مصر - الثورة.
فهل جاء هذا الحادث على نحو عفوى وتلقائى ؟؟  أم أنه مخطط ويتم تفعيله حسب أهداف محددة ؟؟ وهل يمثل رد فعل لما يحدث من بعض التطورات على صعيد تطور أداء حكومة الثورة وتحقيقها لعدد معقول من الانجازات خلال فترة قصيرة ؟؟ بما يعني أنه يمثل نوعا من الثورة المضادة ؟؟
من الضروري التأكيد على أن كل ثورة ناجحة ومنتصرة لا بد أن تلحق بها ثورة مضادة، فالثورة فعل هدم وبناء .. هدم لنظام قديم ظالم ومستبد وتابع وفاشل، وبناء لنظام جديد عادل ووطني وديمقراطي ويحقق المصالح الحقيقية للوطن والشريحة الأوسع من الشعب. وهذا التحول ينتج عنه متضررون عديدون، سواء كانوا من أعوان النظام السابق أوالشرائح والطبقات المستفيدة من وجوده، أو من بعض القوى الدولية والاقليمية التي خسرت "كنزها الاستراتيجى" المتمثل في رأس النظام السابق، حسب تعبير الرئيس الاسرائيلي شمعون بيرس، أو التي تخشى من انتقال عدوى الثورة المصرية الى بلدانها وشعوبها، وعلى رأسها السعودية وباقي دول الخليج، التي تقوم الآن بتخصيص عدد من القنوات الفضائية وتجنيد جيوش من الأقلام الصحفية لمهاجمة الثورة المصرية، أو القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي يهدد نجاح الثورة المصرية بافساد مخططاتها الرامية الى مواصلة الهيمنة على المنطقة، ومن الطبيعي أن تعمل على عرقلة نهوض وتقدم واستقلال أية قوة اقليمية كبرى مجاورة لاسرائيل، كمصر.   
ولذلك فانه ليس من المستغرب أن تقوم هذه القوى على تنوعها، منفردة أو متحالفة، بالشروع في محاولات دؤوبة لافشال هذه الثورة واثارة القلاقل والعراقيل في طريقها كلما أمكن. بدأت هذه القلاقل بالانسحاب المريب للشرطة من الشوارع والمرافق المصرية، حتى مواقع حراسة الآثار وشرطة المرور .. الخ  ولم تعد الى هذه المواقع بكامل قوتها حتى الآن. وهو أمر يطرح تساؤلات عديدة. وفى الوقت نفسه تم اطلاق سراح أعداد هائلة من البلطجية والخارجين عن القانون من السجون ومراكز الاعتقال، على نحو متعمد ومقصود كما أوضحت التحقيقات (يقدر بعض المراقبين عدد البلطجية بأربعمائة ألف .. نعم أربعمائة ألف) أي أن هناك جيشا جرارا من المجرمين العتاة، مطلق السراح ويرتع في المدن والبلدات ويعيث فيها فسادا دون رادع ولا ضابط.
اضافة الى  تجييش أعداد هائلة ممن يسمون بـ (السلفيين) للقيام بأعمال تهييجية لا علاقة لها بالهم السياسي والاجتماعي الذي طرحته الثورة، مثل هدم الأضرحة والاستيلاء على بعض المساجد من وزارة الأوقاف، والقيام بمظاهرات ذات طابع طائفي ومحاصرة دور العبادة المسيحية من كنائس وأديرة .. وصولا الى احداث نوع من الفتنة الطائفية المتنقلة. التى بدأت باقامة الحد !!! على أحد المسيحيين وقطع أذنه !!! فى مدينة قنا، واحراق كنيسة بقرية "صول"، جنوب الجيزة. وانتهت، عبر عدة حوادث مماثلة ولا مجال لحصرها، بأحداث امبابة الراهنة.
يمكن ان نستنتج من ذلك أن خطة الثورة المضادة ترتكز على محورين رئيسيين مترابطين:
 الأول: هو العمل على الاستفادة من الفراغ الأمني الكبير الذي حدث بعد الثورة ومحاولة توسيعه وتضخيمه، عن طريق تعميم احجام بعض قيادات وضباط الشرطة وثيقة الصلة بدوائر النظام السابق،عن القيام بمهامها على الوجه المناسب.  بما يخلق وضعا يعجز دونه الجيش والقوى المدنية للثورة من الحفاظ على الأمن والنظام.
الثاني : هو اشاعة أكبر قدر من مظاهر عدم الاستقرار، من توجيه وتحريك أعمال البلطجة وخرق النظام العام (كثير من هؤلاء البلطجية كانوا مرتبطين بدوائر الأمن وجرى استغلالهم في العديد من المناسبات مثل الانتخابات وفض الاضرابات والاعتصامات، وأخيرا في أحداث الثورة نفسها، وموقعة الجمل نموذجها الأبرز). والفعل الأخطر من كل ما سبق هو العمل على احداث الوقيعة والفتنة بين المسيحيين والمسلمين. حيث تعد هذه النقطة هى الخاصرة الضعيفة للمجتمع المصري، رغم الاجماع الوطني الذي ظهر بجلاء أثناء الثورة. فلقد اقترف النظام السابق واحدة من أبشع جرائمه وأكثرها تخريبا للنسيج الوطني والاجتماعي المصري، ألا وهي الاقدام على صناعة ودعم بعض التيارات الدينية، واشاعة نوع من الاستقطاب الديني في المجتمع، بما يؤدي الى خلق نوع من الانقسام الوطني المحكوم، واستثماره سياسيا لتحقيق نوع من الشرعية المختلقة، سواء أمام الداخل أو الخارج. مدعيا أنه يمثل الضمانة الوحيدة لتأمين وضبط العلاقة بين الطرفين – المسلم والمسيحي، ولجم القوى الدينية المتطرفة وضبط حركتها. وقد بدأ ذلك منذ أيام السادات الأولى (أحداث الخانكة 1971، والزاوية الحمراء 1972 ) حيث قدم دعمه اللا محدود للجماعات الدينية الأصولية، بهدف مساعدته على التخلص من قوى اليسار في الجامعة والحياة العامة. ولكن هذه الجماعات ما لبثت أن قتلته هو نفسه.
من الواضح، اذًا، أن كلا المحورين مترابط، على نحو عضوي، مع الآخر، فالفراغ الأمني يتيح كل الامكانيات اللازمة للممارسات الاجرامية من أي نوع وعلى رأسها الفتنة الطائفية. المطلوب فقط هو التوسع فيها الى أقصى درجة للوصول بمصر الى الانهيار الكامل، وربما الى التقسيم على الطريقة العراقية أو السودانية على أفضل تقدير.
ولعله لم يعد من الصعب اكتشاف عدد من الأساليب والخصائص النوعية لهذه الممارسات والاختيار الدقيق للأماكن ذات الطبيعة المعينة التى تجري فيها هذه الأحداث. وتواتر هذه الأساليب والخصائص وتكرارها بذات الطريقة في كل مرة، بما يقضي تماما على فكرة المصادفة أو التلقائية، ويرجح فكرة وجود عقل مدبر وراءها. وذلك على النحو التالي :

1-    الفتنة تستفيد من الأزمة الاجتماعية :
إن هذه الأحداث دائما ما تتم فى المناطق العشوائية والفقيرة المكتظة بالسكان أو الريفية، التى يعانى أبناؤها من   البطالة والأمية وانعدام الخدمات. وهى ذات المناطق التي تنتشر فيها تجمعات الجماعات الدينية والسلفية. وهو ما يعني انتشار الجهل والقابلية للانقياد والاحساس الشديد بالتهميش والغبن. وبالتالي الاستعداد لممارسة العنف، فهو أحد مفردات الحياة اليومية هنا. وهذه المناطق غالبا ما تكون: اما مناطق ريفية (قرية "صول" ب"أطفيح"، مثلا)، أو شبه ريفية (مدينة "قنا" مثلا)، أوتعتمد في تكوينها الديموغرافي على المهاجرين من الريف وبخاصة من مناطق الصعيد. (منطقة المقطم أو حلوان أو امبابة مثلا. ولم نلاحظ حتى الآن قيام أي نوع من الاحتكاك الديني في الأحياء الراقية أو في مدن الدلتا). بما يعني شيوع قيم تقليدية معينة، تغيب عنها فكرة القانون والحرية والدولة المدنية الحديثة.

2-    الفتنة تغذي الحالة الذكورية :
ان هذه الأحداث دائما ما تتم على أساس فكرة واحدة لاتتغير، وهى أن فتاة مسيحية قد أسلمت وتزوجت من أحد الشبان المسلمين، ثم جاء أهلها واختطفوها وأودعوها احدى الكنائس أو أحد الأديرة (راجع الحكايات المرتبطة بكاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين .. وأخيرا عبير بطلة أحداث امبابة الأخيرة)،  ومن ثم تتم المطالبة باسترجاعها تحت غطاء الحرية الدينية وحرية الاعتقاد، و"أن أختنا تستنجد بنخوتنا". ولم يتم تسجيل مشكلة واحدة تتعلق برجل واحد ذكر اعتنق أية ديانة أوتم اختطافه .. الخ .
والتركيز فى هذه الحالات على الأنثى ينطوي على عدة أمور:

أولا: استنفار مخزون النخوة الذكورية الذى يغذي ويداعب الموروث الشرقي القائم على فكرة تفوق الذكر وجدارته بالأفعال البطولية المتمثلة في الغيرة على النساء وحمايته لهن، باعتبارهن العنصر الأضعف و الذي يغذي بضعفه احساس الذكر بقوته وتفوقه، ولذلك يراد له أن يبقى ضعيفا على الدوام.

ثانيا: استنفار قيم العرض والشرف. وهى تمثل نوعا من القيم الاجتماعية المستقرة والراسخة بقوة فى المجتمعات الشرقية عموما، حيث يمكن أن تراق من أجلها الدماء وتقطع فى سبيلها الرقاب. خاصة اذا جرى التوحد فى اطار الجامعة الدينية ، فتصبح كل النساء المسلمات نساء هذا الرجل المعين على التحديد.

ثالثا: استلهام واستعادة أجزاء من الماضي البطولي الاسلامي القديم، متمثلة فى قصة المرأة التي صرخت فى مدينة عمورية في بيزنطة القديمة زمن الخليفة العباسي المعتصم ، عندما أسرها الرومان فصرخت "وامعتصماه" وقامت من أجل تحريرها حرب ضروس انتصرت فيها جيوش المعتصم. ان هذا التاريخ وهذا الماضي  هوالذى يتم النظر اليه من قبل الجماعات الدينية على أنه المثال والنموذج الذي ينبغي استعادته أو تقليده وتمثل قيمه.

3-    الفتنة تعبير عن أزمة السلفيين :
لقد عاشت جماعات السلفيين طوال زمن مبارك فى أمن وسلام وتناغم تام مع النظام، فلم تمارس ضده أي نوع من المعارضة، بل ان السلطة هي التي كانت ترعاهم وتجندهم في مواجهة خصومها، سواء خصومها الدينيين الآخرين وهم الاخوان أو غير الدينيين وهم قوى اليسار. أو تجندهم لتنفيذ سياساتها التي أسلفنا القول فيها. فقاد شيوخهم وأعلامهم،  خلال أيام الثورة الأولى، أنواعا من الهجوم الديني الشرس والعنيف ضد الثوار ومارسوا في المقابل أنواعا من الدفاع المستميت عن النظام وسلطته، فاتهموا الثورة بأبشع الأوصاف، حتى انهم أخرجوا الثائرين من ملة الاسلام. وهذا ليس أمرا غريبا، فهذا ما كان يتم تجهيزهم من أجله على التحديد. فأفتوا بحرمة الخروج على الحكام، وعدم جواز معارضتهم، باعتبار أن ذلك خروج على الشرع الحنيف.
فلما انتصرت الثورة شعر هؤلاء بأنهم قد خسروا رهانهم على السلطة وأصبحوا من المطرودين من جنة الثورة ومن المغضوب عليهم فى النظام الجديد. ورغم أن أحدا لم يقترب منهم بالمحاسبة، الا أنهم شعروا بأن عصرا من التهميش والانزواء قادم لا محالة.  ومن ثم حاولوا ايجاد مشروعية جديدة لوجودهم، وذرائع جديدة لتصدرهم المشهد السياسي والديني على السواء. ولذلك نلاحظ أن جميع القلاقل والفتن في مرحلة ما بعد الثورة قد قامت بها عناصر من هذا التيار الديني تحديدا. وقد برز حضورهم بقوة غير مسبوقة في حوادث هدم أضرحة الأولياء باعتبارها نوعا من الشرك والوثنية، وكأنهم قد اكتشفوا هذا الأمر لتوهم. وفي اعتصامات مدينة قنا، التي جرت اعتراضا على تولية محافظ  من أبناء الديانة المسيحية، وكذلك في محاصرة مقر الكاتدرائية أو الكرازة المرقسية بالعباسية، وهذه الحادثة تتم لأول مرة في تاريخ العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر. ثم هيمن السلفيون على المشهد بالكامل فى أحداث امبابة الأخيرة.
 فهل أصبح المسيحيون بعد الصوفيين هم الشغل الشاغل للسلفيين ؟؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات ؟؟ أم أن هناك التقاء في المصالح بينهم وبين دوائر أخرى يهمها تفجير الأوضاع في مصر ؟؟ ان الاجابة الدقيقة القاطعة على هذا السؤال الأخير هي مهمة جهات التحقيق، لاشك. لكن من حقنا أن نرصد العلاقات والتداخلات التي تصنع الأحداث في وطننا وتهدد ثورته ووحدته.    

4-    الفتنة تعبير عن أزمة الثقافة الوطنية:
يعلمنا التاريخ والعلم ومجمل التجربة الانسانية أن حدوث المرض مرتبط بوجود الميكروب، وفى الوقت نفسه وجود القابلية للمرض داخل الجسم البشري. وأن ظاهرة الاستعمار تقوم على وجود الطامعين بقدر ما تعني الضعف والقابلية للاستعمار فى الطرف الآخر. لذلك فاننا اذا سلمنا بأن الفتنة الطائفية هي أحد أسلحة الثورة المضادة، فان هذا يعني أيضا وجود ألوان من الضعف والوهن في البناء الفكري والثقافي، وشيوع ثقافة التعصب والاقصاء والاستبعاد والتطرف الديني وغياب العقل النقدي وسهولة الانقياد لكل من يلبس قناع الدين، لدى هذه القطاعات المحددة من المجتمع المصري وهي تلك التى تتمتع بالخصائص والسمات البائسة التي عددناها من قبل. مضافا اليه ضعف الأداء الأمني في مصر بعد الثورة على النحو الذى تم ذكره. مما سهل امكانية استغلالها وتحريكها في الاتجاه الذي يخدم مصالح أعدائهم على التحديد، ويحقق عكس ما يتمنون على طول الخط.
5- المواجهة:
ان هذا يعني أن أية محاولة لمواجهة مخططات القوى المتربصة بالثورة انما ينبغي أن تتم على مستويين من المعالجة :
الأول: عاجل ووقتي : وهو يقوم على سد الفراغات الأمنية وتفعيل القانون والضرب بعنف على أيدي العابثين والمتلاعبين بالمصلحة الوطنية. واستنفار الارادة الثورية والطاقة الوطنية الجامعة التي مثلت الأداة الفعلية والقوة الساحقة التي وقفت وراء نجاح الثورة. ان روح الثورة وزخمها وقوة الارادة الشعبية الواعية والمستنيرة والعقلانية لقادرة على لجم كل قوى الظلام المتربصة بالبلاد.
الثاني : آجل وبعيد المدى : وهو يقوم على ضرورة البدء في ثورة ثقافية شاملة تقوم على أسس الدولة المدنية ومفاهيم المواطنة والديمقراطية ودولة القانون وأن مصر لجميع أبنائها من  المصريين، نساء ورجالا ومن أي دين كان. الى جانب ضرورة العمل على القضاء على كافة أشكال الفقر والجهل والمرض، والانتصار لثقافة العلم والعقل والتسامح والتعددية. وهذه هي المهام الحقيقية للثورة وقواها النضالية الحية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

بين الكلمات والمعاني المقاتلة

featured

خالد انت خلود شعبك يا عرفات

featured

النقاط على الحُروف أيّها السادة

featured

حين يذكرك وزير المالية بماري أنطوانيت ولويس السادس عشر

featured

د. سلام فياض والمفاهيم المغايرة

featured

وأعطي نصف عمري...

featured

السعودية: نساء يدفعن ثمن هزيمة الرجال