حالي كحال معظمكم، أتابع وأهتم بسير الأمور وخاصة تلك ذات التأثير على حياتنا ومستقبل أولادنا في كل الصعد الاجتماعية، السياسية والاقتصادية طبعا، فمثلكم تماما أسعى لضمان الحياة الكريمة ولقمة العيش الهنيئة من خلال عمل محترم وراتب يضمن لنا الجزء الأكبر من المتطلبات والمستحقات.
مع كل انتخابات جديدة ومع كل حكومة جديدة نـأمل ونتأمل أن الضمان والأمان قادم لا محالة... ندرك في دواخلنا أننا نعشّم أنفسنا بأمل كاذب وبأننا سوف نترحم على الولاية السابقة التي كانت أخف وطأة من الحالية... وهكذا دواليك... حتى وصلنا لفترة احتل فيها رجل أرستقراطي طموح منصب وزير المالية... هذا الرجل الفذ ذو اللاخلفية اقتصادية بالمرة أقام حزبا نجح بالتسويق له ففاز بعدد مقاعد خوله لوضع شروطه على رئيس الحكومة، فتبوأ المنصب الذي يعتبره خطوة قبل الوقوف على رئاسة الحكومة والجلوس على كرسيها بعد سنوات قلائل.
يائير لبيد الذي عرفناه ولسنوات طوال كإعلامي لامع طالما انتقد وأبدى رأيه في تصريحات الزعماء السياسيين والرؤساء وغيرهم...ها هو ينتقل من مسئولية المعلق عن بعد الى مسئولية المصرِّح والفاعل...مسئولية ودور يبدو أنه لم يتمرس عليهما بعد بما فيه الكفاية.
حداثة عهد لبيد وتبوّؤه منصبا بهذا الحجم من المسئولية والأهمية من جهة، وكونه إعلاميا اعتاد على الحديث والتعليق من جهة ثانية وطموحه الذي يملأ قلبه وفكره من جهة أخرى جعلاه يصرح أكثر من مرة بتصريحات من الواضح أنها غير مدروسة جيدا تدل على نوايا وأهداف شخصية محضة تتلخص بالوصول لرئاسة الحكومة في الانتخابات القادمة.
تصريحاته التي تردنا على شكل ستاتوسات وليس من خلال مؤتمر صحافي أو غيرها من الطرق المتبعة. الوزير لبيد يخاطب الجمهور من خلال صفحته على الفيس بوك يؤمن كما يبدو أنه وسيلة ممتازة للتواصل والوصول لأكبر شريحة من الناس، بما أنني لست حاليا بصدد التعليق على سبب استعماله هذه الوسيلة أو تلك،ولا بصدد التساؤل إن كان يملك الوقت فعلا للكتابة على الفيس بوك مع فنجان قهوته الصباحي، لكنه بالتأكيد يدخلنا لعهد جديد في التواصل حتى مع الوزراء والقياديين، ولا يهمني التأكد إن كان هو من يكتب شخصيا في هذه الصفحة أو لا، فما يُكتب على صفحته مكتوب بصيغة الضمير الأول ومنسوب إليه.
المهم في الموضوع أن هذه التصريحات لم تفاجئني، فوزير تقدر ثروته بـ 22 مليون شاقل يتقاضى راتبا ضخما،يعيش برفاهية عالية واضعا ستائر على نوافذ سياراته تحول دون رؤية من هم أدنى منه رتبة ومرتبة (غوار) من الطبيعي أنه لا يلتقي بمثل هؤلاء المساكين في حياته اليومية ولا بالمناسبات والأعياد طبعا لن يتطرق إليهم لا من باب الواجب الوزاري ولا الإنساني.
رغم أن ستاتوساته الأخيرة لم تفاجئنا، إلا أنها صفعتنا مجددا ليتلاشى معها الأمل الأخير مذكرة إيانا بالملكة ماري انطوانيت -التي ألتمس لها العذر اليوم- حين قالت:-" إن لم يكن لديهم الخبز فليأكلوا الكعك ".... كل إناء بما فيه ينضح... وكلٌ يغني على ليلاه...وكل يتحدث، يفكر،يصرح، يقرر وينفذ إنطلاقا من وعيه وثقافته.
تحدث عن السيدة ريكي كوهين من الخضيرة ما يعتبره هذا الوزير الارستقراطي - معاناة تتلخص بأن 20000 شاقل التي تتقاضاها وزوجها شهريا لا تسمح لها بالسفر خارج البلاد إلا مرة كل سنتين كما لا تمكنها من شراء بيت لأولادها،...يتعاطف وزير المالية مع هذه السيدة النموذج للشريحة التي يهمه أمرها لدرجة قال فيها: "السيدة كوهين من الخضيرة إنما هي سبب وصولي للمالية".
اهتممت أن أفحص كيف يصنِّف مدخولٌ شهريٌ ذو الرقم20000 صاحبَه، لأجد أنه من الشريحة المتوسطة العليا وهي رتبة لذوي مدخولات تراوح بين 19000-25000 شاقل، وهي شريحة يتمنى الكثيرون منا الدخول في غياهبها. شريحة لا تشكل أكثر من 20% من الناس في إسرائيل.
يبدو أن الوزير لبيد الذي ينتمي لطبقة الأغنياء في الدولة لا يمكنه النظر إلى الأسفل أكثر من ذلك..فإن مرتبة أو اثنتين تكفيه ليشعر أنه وزير للجميع، أي لجميع من يقدمون الخدمة والضرائب للدولة، ومن هم دون ذلك فإن لهم ربًّا يحميهم ليسوا بحاجة - من وجهة نظره - لوزير أو حكومة أو حتى دولة تهتم بهم، فمزيد من التقليصات في مخصصات التأمين -على سبيل المثال لا الحصر- لن تقض مضجعه ومضجع الأرستقراطيين أمثاله، فالطبقة الضعيفة الفقيرة لا تعني بالنسبة إليه أكثر من شريحة مستهلكة لا تفيد الدولة ولا تساهم في رفع مستواها الاقتصادي بل إنها تشكل عبئا على الدولة وخزينتها...وبالتالي فإن عليه الاهتمام بأمثال السيدة كوهين والارتقاء بهم مرتبة أخرى.
ترى هل سيكون مصير السيدة كوهين هذه المرأة النموذج كمصير المرأة العجوز في مستشفى نهاريا التي تحدث عنها باراك في حينه لتستقطب قصتها السخرية من الأخير؟ أم ترى ستصبح امرأة لبيد النموذج فأسا بيده يضرب به رأس وظهر الطبقة الوسطى وما دون حتى يمسحها تماما وحتى يغرقها في قعر البحر؟!
"أنا لن أسمح أن يصيب إسرائيل في عهدي ما أصاب اليونان وقبرص"...واحدة من أهم جمل لبيد الفيسبوكية ليؤكد للجميع أن كل همه سينصب فقط على ملء خزينة الدولة التي لن تمتلئ إلا من خلال ضرائب الأغنياء من جهة ومصالحهم المحلية الداخلية والدولية الخارجية القادرة على إدرار الأموال، فحماية مصالح الأغنياء الذين يرفعون الاقتصاد العام إضافة للخاص إنما هي بالتالي حماية مؤكدة لمصالح الدولة...فينطبق قول لويس السادس عشر "الدولة أنا..وأنا الدولة"... ولتطبق فعليا المقولة الميكافيلية "الغاية تبرر الوسيلة".
*هل سيجرؤ على الاقتراب من المحرمات*
ترى هل سيجرؤ لبيد في سبيل هذه الغاية على الاقتراب من المحرمات ويجري تقليصا في ميزانية وزارة ما تسميه إسرائيل بالدفاع في المعدات،الآليات والأسلحة إضافة للرواتب العالية جدًّا التي تدفع لضباط الجيش؟ أم تراه سيهتم أكثر وأكثر بفئة الضباط المتقاعدين كونهم يمثلون نسبة ليست بسيطة من أغنياء إسرائيل؟
هل سيقلص فعلا من الامتيازات الممنوحة للمتدينين اليهود؟ ويتحمل تداعيات غضبهم في سبيل إرضاء حاملي الاقتصاد والذين يحمونه في آن؟! هل سيهتم ببناء مناطق صناعية في البلدات العربية مشجعا بذلك النساء العربيات على دخول سوق العمل بالفعل؟ أم أن هذه الحيثية تحديدا ستظل على الورق المتطاير في الهواء؟
هل سيستعمل كل ما يخطر وما لا يخطر على بال من أساليب وإقرار قوانين جديدة لتقليص عجز ميزانية الدولة الذي تضاعف وبلغ4.2% من الناتج المحلي الإجمالي؟ هل سيتحول للبطل المنقذ للدولة مهما كلف ذلك من أمر؟
هل سيستثمر لبيد مخزون الغاز الطبيعي بالشكل السليم لتحقيق أهدافه؟ هل سيفتح المجال أمام شركات جديدة لاستخراجه أم سيظل الأمر حكرًا على الشركة الوحيدة المختصة بذلك؟ هل سيأمر بتصديره كله لإدخال أكبر كم ممكن من المردود للخزينة؟ أم تراه سيمنح السوق المحلي قسطا من هذه النعمة؟ ليبقى السؤال هل ستدخل المصانع التقليدية والشركات الصغيرة في حساباته؟ وهل ستقدرهي على استعماله أم أن تحويل آلاتها وأدواتها للغاز يفوق قدرتها وبالتالي لن تحظى بهذه النعمة الطبيعية كونها تنتمي للطبقة الوسطى وما دون في عالم الأعمال؟
ولن تحظى بنعمة الغاز الطبيعي سوى المصانع والشركات الكبرى؟!
كثيرة هي الأسئلة التي تصبح مجرد تساؤلات وحديث مع النفس يوجعها ويوجع القلب... والتي تصب في خانة واحدة لا بد وأن ندركها عاجلا أم اّجلا..."البقاء للأفضل والأقوى"...وهما في هذه الحالة...الأغنى وصاحب المدخول الأعلى!!
طموح لبيد الكبير قابل للتحقق والتحقيق، فالوصول لوزارة المالية من الجولة الأولى يمكنه أن يعني رئاسة الحكومة في الجولة الثانية... وكل ذلك مربوط بأصوات الناخبين وهذه الأصوات منوطة بثقة أصحابها، فهل سيحافظ لبيد على أصوات مؤيديه ليرتفع للقمة؟ أم تراه سيخسرها فيقع في هاوية تسرّعه وعدم إدراكه أنه وزير مالية لجميع السكان وليس لطبقة دون غيرها؟
لبيد لا يخشى خسارة ثقة داعميه وخسارة أصواتهم لاحقا، فمعظم المصوتين لحزبه من سكان المدن العشر الكبرى في إسرائيل أي من الشرائح الوسطى العليا وما فوق التي تشكل قاعدة أمان لهذا الحزب... سيهتم هؤلاء بالتصويت للبيد في الانتخابات القادمة أيضا كونه سيسعى ليس فقط للحفاظ على مصالحهم وإنما لزيادة أرباحهم...وسيصل رئاسة الحكومة محققا حلمه على حساب السواد الأعظم من المواطنين اليهود والعرب على حد سواء.
وهنا لا بد من وقفة تفكير وتحليل محورها إلى أين وحتى متى الانتظار؟ ما الذي ينتظره المجتمع الإسرائيلي ليثور رافضا القهر راكضا خلف رغيف الخبز...
هل سيدرك لبيد وزمرته أن الجوع كافر؟ وأن البركان لا بد وأن يثور مهما طال الأجل؟
هل سيتمركز الجوع في عهد لبيد برجل سيقتله الجوعى والفقراء؟
اعتقد فيشر عميد بنك إسرائيل حين استعمل مهمازه مذكِّرا لبيد بوجود شريحة كبيرة تتقاضى رواتب منخفضة، أنه قام وبحنكة نادرة بالتوازن - الإعلامي على الأقل - مانعا انفجار البركان.
آن الأوان لندرك جميعا أنه لا يعقل أن يستمر التعامل مع الطبقات الدنيا بهذه الدرجة من الاستخفاف والتغابي...آن الأوان ليدرك لبيد وأمثاله أن هذه الطبقات وإن كانت فقيرة ماديا ليست فقيرة العقل والكرامة...
آن الأوان ليفهم من يتبوأ المناصب أن الطبقات المستهلكة غير المنتجة - كما يطلقون عليها استخفافا - إنما هي قلب الدولة وعمادها وليس الطبقات العليا فاحشة الثراء...وأن هذه الطبقات لن تكتفي إلى الأبد بفتات الكلام وفتات الميزانيات...ومن نسي فإن مراجعة التاريخ القديم والحديث جدا جدا تذكره متحدثة بصوت دماء من ضحوا بحيواتهم مقابل الكرامة والرغيف.
واما أين نحن العرب من كل هذا؟ فإن السؤال يحمل الجواب في طياته...وإن التاريخ يعيد نفسه بطرق تختلف في ظاهرها تتشابه في باطنها...
آن الأوان لندرك بوعي ونعي بإدراك ما يحدث وأن نقف وقفة واحدة قبل أن نفقد القدرة على الوقوف والحق في الجلوس حيث يطمح ويطمع العديدون منا....
طبعا هنالك مستقبل برئاسة يائير لبيد....
والباقي عندكم!
(عيلبون)
