عاش كريمًا محبًّا ومسالمًا

single

"كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"، "وما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله كتابًا مؤجلا ولكل اجل كتاب"، صدق الله العظيم. "لكل شيء في الدنيا له أجل - وتنقضي لجميع الناس آجال. أودّ ان اعبر عن مشاعر الألم والأسى وان أترحم على الفقيد الغالي أبي علاء موفق قرعاوي طيّب الله ثراه وذلك استجابة للحديث الشريف القائل: اذكروا محاسن موتاكم، ولكن يعزُّ عليّ أن أقف راثيًا ومؤبنًا لان الرثاء يثير اللوعة والمرارة والشجون، علمًا ان الرثاء تكريم للفقيد في تبيان مناقبه وخصاله الحميدة.
أيها الراحل الغالي يا أبا علاء، يصعب عليَّ أن أخاطبك بصيغة الماضي وأنت ما زلت حيًّا في ذاكرتي ووجداني – لقد عرفتك أيها الجار الأمين البارّ إنسانا تتحلى بمكارم الأخلاق، ملتزمًا بالقيم الأخلاقية والاجتماعية، اعتنقت الصبر والمحبة والتسامح لا تتوانى عن مشاركة الناس في مسرّاتهم وهمومهم، عشت كريمًا محبًّا ومسالمًا نظيف اليد واللسان، كيف أنساك وما زالت لقاءاتنا الودية راسخة في أعماق القلب والشعور. كيف أنساك وشجرة الزيتون الشامخة أمام منزلي تذكرني بجلساتنا الأنيسة نستظل بظلالها الوارفة، ونتبادل الحديث في شؤون شتى في أمور الساعة، في التربية والتقاليد الأصيلة، والأستياء من ظواهر العنف والشرور التي أخذت تتفشّى في مجتمعنا وفي كل لقاء كانت أواصر المودة تزداد رسوخًا، كنت تختار من قاموسك اللغوي الكلمة الطيبة والمهذبة التي تبهج النفس، كنت صبورًا ومؤمنًا واجهت آلام الداء العضال بصبر المؤمنين وكافحت كفاحًا مريرًا للشفاء من اجل الحياة والبقاء ورغم معاناتك الطويلة من الآلام والأسقام الا انك لم تظهر تذمرًا واستياء شديدًا ودائما كنت تردد قائلا: الحمد لله رب العالمين الذي نستعين به على الضراء ونحمده على السراء. ما زلت اذكر ذلك اليوم الذي شرحت به صدري وأبهجت خاطري عندما جئت تعلمني ان نجلك محمد تمّ قبوله في معهد التخنيون لدراسة موضوع علمي ورأيت الفرحة العارمة تتراقص في عينيك لان نجلك النشيط والمجتهد بدأ مشواره العلمي الجامعي، لكن القدر بكل قسوته، أبى الا ان يحرمك من معايشة هذه الفرحة الموعودة لتشهد متعة التخرج والنجاح. هذه الفرحة التي يصبو إليها في آماله وأحلامه كل أب يسعى من اجل سعادة مستقبل أبنائه.
وفي الأيام الأخيرة قبل رحيلك بأربعة أيام بلغني الخبر المفزع ان حالتك زادت تأزمًا وسوءًا. وهرعت لأزورك في البيت فوجدتك مسجّى على الفراش لا تستطيع حراكًا ولما فتحت عينيك شعرت انك عرفتني وحاولت النهوض قليلا لتستقبلني ولم تسعفك قواك الواهية، وحاولت ان ترحب بي كما عودتني وكما تعاملت مع الزوار بالترحيب الحار ولكن تحشرجت الكلمات في حلقك ولم تستطع ان تنبس بكلمة واحدة. وحاولت أنا ان اعبر عن غصتي فاستبقتني الدموع الحرّى التي انهمرت على وجنتيّ، وحينها قرأت في عينيك يقترب المساء.
وإنصافًا للحقيقة ان أسرتك الكريمة واخوتك ومحبيك لم يدخروا جهدًا في سبيل خدمتك فاحتضنوك بفائق الرعاية والعناية الطبية والصحية، ولا شك ان زوجتك أم علاء تجلّت فيها معاني التفاني والوفاء في رعايتك ليلا ونهارا مؤمنة صابرة فكانت أوفى زوجة وأما حانية وممرضة رؤوفا، لقد شاء القدر ان تنتقل إلى  الملأ الأعلى في هذا الشهر الفضيل شهر التوبة والعبادة والمغفرة.
لقد غادرت مسرح حياة الدنيا الفانية مبكرًا، وفارقتنا تاركًا أثرًا نبيلا من القيم الإنسانية من المحبة والصبر والتعامل الأخلاقي وسمعة طيبة وحسنة تخلّد ذكرًا صالحًا.
"والمرء يحيا في الزمان بذكره   والذكر للإنسان خير بقاء"، لقد أنجبت أبناء صالحين وأبرارا، نتوخى ان يسيروا على نهجك ويواصلوا المسيرة في حسن السيرة. يا راحلا ان الزهور تذوي ولكن البذور تبقى وذا سر الوجود، وبهذه الصلة الأخوية الحميمة دعاني الواجب ان أشاطر الأهل والأقارب والانسباء الم وحزن هذا المصاب الأليم وأدعو بان يمد الله في أعمارهم ويمتعهم بالصحة والسلامة، ولنا الصبر الجميل والله المستعان. أسأل الله ان يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته.
ستبقى ذكراه حية في الأذهان والذاكرة الجماعية.
"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي".
إنا لله وإنا إليه راجعون.

 


(شفاعمرو)

قد يهمّكم أيضا..
featured

من الذي أمر بالهجوم على شارلي إيبدو؟

featured

دور العروس هو المقرر

featured

58 عاما على ثورة يوليو الناصرية

featured

تناقضات الناس الى متى؟

featured

نعيق الغراب على حاله !

featured

الحرية واللباس

featured

وحدة التغطية على مخالفات الشرطة!