الحرية واللباس

single
يحدد المناخ لباس الانسان، طوله وقصره ونوعه ومادته، فما يصلح لباسا بشريا في المناطق الحارة وخط الاستواء يختلف عنه ما يصلح في سيبيريا والمناطق الباردة كما ان العمل ونوعه له اثر على اللباس فالقمباز البلدي والشروال والكوفية والعقال والدشداشة لاتصلح لورشات البناء او المعامل او المصانع. والانسان، رجل او امرأة، حر في اختيار لباسه ما دام هذا اللباس لا يصطدم مع"الاخلاق والذوق العام"وقضية الاخلاق والذوق العام قضية مطاطة جدا ومتغيّرة ومتحولة من زمن الى زمن ومن مكان الى مكان، ولا يحق للمشرع مهما كان ان يحدد لباس الرجل او المرأة فالقضية ليست قضية قانونية بل هي قضية مناخ وعمل وثقافة وحرية فردية وذوق خاص وغير ذلك. والسلطة المدنية او الدينية لا يحق لها ان تتدخل في لباس الرجل او لباس المرأة لأن هذا اعتداء سافر على الحرية الشخصية التي هي الف باء حرية الانسان في هذه الحياة.
في شهر تموز من هذا العام 2009 حدث امران خطيران مثيران متشابهان في مدينة غزة في فلسطين وفي مدينة الخرطوم عاصمة السودان. ففي غزة المحاصرة اتخذ"رئيس العدل الاعلى"في حكومة حماس المقالة قرارا يفرض كسوة خاصة بالمحاميات في اثناء ظهورهن امام المحاكم النظامية يقضي بلبس الجلباب والحجاب واما في الخرطوم فداهمت قوة شرطية في 3 تموز مقهى معروفا في المدينة واعتقلت 13 امرأة يرتدين البناطيل وعاقبت فورا عشر نساء منهن بالجلد عشر جلدات لكل امرأة وبغرامة مالية تعادل مائة دولار ومنهن نشاء نصرانيات ونساء تعبدن الاصنام ولا تنطبق قوانين الشريعة الاسلامية عليهن، وقد اختارت احداهن وهي الصحافية لبنى حسين ان تجري لها محاكمة كما يمنحها القانون مع ان القانون يمنحها ايضا حصانة لكونها موظفة في الامم المتحدة.
اختارت لبنى حسين المحكمة كي تفضح قانون اللباس الذي فرضه نظام البشير الرجعي على المرأة السودانية.
رفضت لبنى ان تجلد عشر جلدات وان تدفع مائة دولار واختارت ان تقف امام القضاء لتحاكم وقد يكلفها هذا حكما باربعين جلدة وبغرامة مالية كبيرة.
رفضت لبنى ان تحتمي بحصانة الامم المتحدة.
لبنى حسين امرأة شجاعة ومثقفة وصحافية تكتب مقالا اسبوعيا في  صحيفة سودانية يسارية اسسها المرحوم زوجها ولبنى ترتدي ملابس محتشمة جدا جدا ومحافظة جدا جدا ولكنها اختارت ان ترتدي البنطلون فهل ارتداء البنطلون يعتبر جريمة وهل هو لباس خليع غير محتشم؟
معركة لبنى حسين ضد القانون السوداني ومعركة المحاميات الغزيّات ضد القرار الحمساوي لا تعنيهن فقط بل تعني كل من تهمه قضية الحرية في عالمنا وتعني بصورة خاصة الشعبين السوداني والفلسطيني.
أي نظام حكم يريد هذان الشعبان واية عقلية تحكمهما؟
نظام دمقراطي عصري متنور ام نظام اصولي طالباني يقرر للمرء ما يلبسه وما يأكله وما يسمعه وما يراه باسم خدّاع يسمى"لباس الفضيلة"و"حماية الاداب العامة"؟
هل الفضيلة صارت رهينة الجلباب والحجاب وعدوة للبنطلون؟وهل حماية الاداب العامة تكون برداء الجلباب والحجاب اللذين لا يحميان اخلاقا ولا عرضا ولا شرفا؟
البنطلون لا يبرز مفاتن المرأة كما يزعمون بل يبرزها العقل المراهق والخيال المريض الموجودان في رؤوس مرضى الجنس وهما اللذان يخترقان اللباس حجابا وبنطلونا وجلبابا وسورا ودارا ويعريّان الجسد البشري.
الجلباب والحجاب لا يخلقان فضيلة او ادابا وعدم ارتدائهما لا يعني ان المرأة "سايبة"او تمارس الاغراء.
اللباس حرية شخصية والانسان العاقل الذي ولدته امه حرا والانسان العصري والانسان المثقف لا ولن يسمح لاي "مّلا"اولاي "آية الله"ان يقيد حريته التي وهبه اياها خالقه وما فعلته طالبان في افغانستان لن يتكرر في أي بلد عربي.
قد يهمّكم أيضا..
featured

مصر "كتبَت لبكرا جواب"

featured

رسالة إلى مَن لا يَسْلَم الناس من يده ولسانه

featured

باب وأمل لدحر داعش

featured

ايران والثورة...عود على بدء (4-4)

featured

ذكرى مجزرة كفر قاسم – لا نسيان ولا غفران

featured

تحرر ام انفصال ؟

featured

صدقتَ يا شيخ حسن، ولكن...

featured

لسنا "وسطا بدويا"