تعتبر اعضاء الجسد كلها تقريبا عرضة للاصابة بالألم المزمن: من الرأس حتى أخمص القدمين ومن سطح الجلد حتى أعمق الأعضاء الداخلية المحمية. اما أبرز انواعه فهي التهاب المفاصل والصداع وألم الظهر، وقد تتعدد اشكاله وتختلف اسبابه.
فقد ينتج عن مرض او حادث او اصابة او ربما يتصل بحالة يعجز الاطباء عن فهمها تماما.
التهاب المفاصل:
تتعدد اشكال التهاب المفاصل وتختلف انواعه، منه ما يظهر تدريجيا، ومنه ما يتفجر فجأة ثم يختفي ليعود ويظهر بقوة. وهو يصيب سائر مفاصل الجسد، وقد يأتي إثر اصابة او نقص في الحركة او اثر الاستهلاك الطبيعي للمفاصل او قد يكون مرضا وراثيا.
أما ابرز انواعه فهي:
الالتهاب العظمي المفصلي، والتهاب المفاصل الرثياني.
الالتهاب العظمي المفصلي:
يتسبب هذا النوع بما يعادل نصف اصابات التهاب المفاصل ويشكو منه ما يقارب العشرين مليون امريكي، وهو ينتج عن تنكس الغضاريف الواقية عند اطراف العظام: عندما يصاب الغضروف ويبدأ بالتآكل والاهتراء تحتك العظام ببعضها بعضا مسببة التهابا في المفاصل وآلاما فيها.
يحاول الجسد عندها اعادة ترميم الغضاريف لكنه غالبا ما يفشل في مهمته هذه فتنمو العظام بطريقة عشوائية وتكون كتلا عظمية تظهر بشكل بارز في مفاصل اصابع اليدين والقدمين وتسمى ايضا بالنتوءات، مما يحدث آلاما في بعض الاحيان.
يصيب الالتهاب العظمي المفصلي الرجال والنساء على السواء بعد سن الخامسة والاربعين، تتعرض فيه مفاصل اليدين والقدمين والرقبة والظهر والوركين والركبتين للاصابة اكثر من غيرها، وهو يتطور بعد سنين طويلة من الاستهلاك المستمر للمفاصل لكنه يأتي احيانا نتيجة عدم توازن الانزيمات في المفاصل مما يؤدي إلى تنكس الغضاريف. يبدأ الألم خفيفا عند الحركة ولكنه سرعان ما يشتد ليزعج المريض حتى اثناء فترات الراحة.
تفصل الاقراص الفقارية المطاطية فيما بين فقرات الظهر وتمنحها الليونة اللازمة، تتضيق هذه الاقراص عند الاصابة بالالتهاب العظمي المفصلي وتنشأ النتوءات العظمية التي تولد الألم والتصلب عند احتكاكها ببعضها بعضا.
التهاب المفاصل الرثياني:
على عكس الالتهاب العظمي، ينشأ هذا النوع من الالتهاب المفصلي نتيجة لاضطرابات في الجهاز المناعي تدفع الخلايا المناعية بمهاجمة بطانة المفاصل وكأنها جسم غريب.
تتجه الكريات البيضاء التي تهتم عادة بتدمير الاجسام الغريبة إلى اغشية المفاصل فتحدث فيها الالتهابات والآلام.
تنتفخ الاغشية المصابة وتتورم فتفرز مواد كيميائية طبيعية تعمل على تذويب الغضاريف وتلف الاوتار والرباطات. هكذا تفقد المفاصل شكلها الطبيعي تدريجيا حتى انها قد تتدمر كليا.
يصيب هذا الالتهاب مفاصل الرسغ واليدين والقدمين والكاحل، كما قد تتضرر فيه مفاصل المرفق والكتف والورك والركبة والرقبة والفك ايضا، يرافق الألم الذي ينتج عنه تصلبات شديدة وصعوبة في الحركة.
وتعتبر النساء اكثر عرضة لهذا المرض من الرجال، يتراوح عمر المصابين به عادة بين عشرين وخمسين عاما.
آلام الظهر:
تأتي آلام الظهر بعد الصداع من حيث الكثرة والانتشار، تصل نسبة البالغين الذين يزورون الطبيب مرة واحدة على الاقل خلال حياتهم بسبب شعورهم بالألم في الظهر إلى 4 من 5، تتركز معظم آلام الظهر في المنطقة السفلى (القطنية) التي تحمل وزن الجسم وهي تشكل نقط المحور التي يرتكز اليها الجسم للانحناء في جميع الاتجاهات.
تؤدي الاصابات والحوادث إلى حصول الم حاد في الظهر، اما اسباب الألم المزمن، نورد فيما يأتي بعض الحالات التي تترافق معه.
التواء العضلات وتشنجها:
تسبب التواءات العضلات بآلام في الظهر، وهي تحدث احيانا نتيجة لحمل الاوزان الثقيلة او الانحناء الحاد او الوقوف على القدمين لساعات طويلة.
وقد تتشنج العضلات في الوقت ذاته كردة فعل على الألم لتحافظ على ثبات الظهر وتمنع المزيد من الضرر، تصبح حينها حركة الظهر مؤلمة جدا، تشفى الالتواءات بمعظمها خلال اربعة اسابيع او قبل ذلك فيما يحتاج 10% من الحالات إلى مدة اطول للشفاء، قد تتحول الالتواءات احيانا إلى ألم ظهر مزمن.
عرق النسا:
يشيع هذا التعبير بين الناس للدلالة على ألم يصيب العصب الوركي على امتداده (من الورك إلى عقب القدم).
غالبا ما يكون سببه التهابا في العصب او ضغط عليه يشعر فيه المصاب بالألم الذي يسري من اسفل الظهر وعبر الردف حتى اسفل القدم ويرافقه احيانا خذر وضعف في العضلات.
يزول الألم تلقائيا الا في حالات الضغط الشديد على العصب حيث يتطور ضعف العضلات ويستفحل الألم.
تفتق الأقراص الفقارية:
تؤدي عوامل الاستهلاك الطبيعي والاصابات إلى فتوق في الأقراص الفقارية في الظهر (الأقراص المنزلقة)، فتزلق المادة الهلامية من وسط القرص إلى خارج حدود الفقرات.
قد لا يشعر المرء بانزعاج عند تضرر الاقراص الفقارية الا ان المواد الهلامية تضغط على الاعصاب المجاورة محدثة آلاما شديدة ومع الوقت قد يزول الألم ولكنه قد يستمر في بعض الحالات.
أسباب أخرى:
هناك بعض الحالات الاخرى التي تؤدي إلى ألم مزمن في الظهر وهي:
- تنكس المفاصل نتيجة مرض التهاب المفاصل.
- تناقص حجم الكتلة العظمية نتيجة ترقق او تخلخل العظام.
- ضعف قوة العضلات نتيجة انعدام الحركة.
متلازمة الألم المنطقي المعقد:
يأتي هذا النوع من الألم نتيجة عوامل عدة ككسور العظام او الالتواءات او الشقوق الجراحية او الاصابات على انواعها خصوصا اليد او القدم.
يشعر المصاب فيه بأعراض مؤلمة ومحيرة تتخطى منطقة الاصابة، كانت هذه الحالة تسمى فيما مضى "منعكس الحثل الودي" لاعتقاد العلماء انها ناجمة عن ردة فعل الجهاز العصبي الودي (وهو الجهاز العصبي المستقل الذي ينظم دقات القلب وضغط الدم وحرارة الجلد).
ولا تزال اسبابها غامضة حتى اليوم يصعب تشخيصها لأنها تشبه إلى حد بعيد اضطرابات عصبية أخرى ولكنها تتميز بالخصائص الآتية:
- استمرار الألم لفترة اطول مما يتوقعه المصاب واشتداد حدته.
- تغير تدفق الدم إلى الجلد في المنطقة المصابة مما يؤدي إلى تغير لونه وحرارته.
- نمو الشعر بشكل غير طبيعي في الطرف المصاب.
يدوم الألم في معظم الحالات لأكثر من ستة اشهر ويستمر في 25% من الحالات لأكثر من عام.
البطان الرحمي:
تنفصل فيه اجزاء من بطانة الرحم وتخرج منه عبر قناتي "فالوب" لتتوزع وتغرس نفسها في اعضاء الحوض وجدار المبيض والقنوات نفسها، قد لا تشكو بعض النساء من اية آلام فيما يعاني بعضهن الآخر من آلام ثابتة او متأرجحة. تصف النساء الألم بضغط عميق في الاحشاء والظهر قد يمتد إلى المهبل والعضلات المحيطة والفخذين، هناك ايضا اعراض أخرى:
* نوبات ألم شديد خلال الحيض تبدأ قبل فترة الطمث بأسبوع وتستمر لأسبوع بعد انقضائه.
* ألم حوضي شديد أثناء الجماع.
* ألم خلال التبول والبراز.
لا يظهر هذا المرض الا بعد البلوغ ونادرا ما يحدث بعد سن اليأس. قد تتفاقم اعراضه عند بعض النساء مع مرور الوقت.
الألم العضلي الليفي:
تصيب هذه الحالة العضلات والاوتار والاربطة وهي تختلف عن التهاب المفاصل لأن الألم يحدث في محيط المفاصل وليس فيها، ولأنها تقتصر على الألم دون الالتهاب.
"ألم في كل مكان" هذا هو العارض الابرز للألم العضلي الليفي، ألم عميق وحارق ترافقه احيانا اعراض أخرى منها:
* ارهاب مزمن
* أرق
* تصلب
* صداع
* آلام طمثية
* اضطرابات الجهاز العظمي
* خذر في الأطراف
* حساسية تجاه تغيرات المناخ والحرارة
سميت هذه الحالة بمتلازمة الألم العضلي الليفي لتنوع اعراضها وعدم انتظامها.
فقد تظهر في اغلب الاحيان خلال العقد الرابع من العمر وقد تخف او تزداد دون ان تزول كليا، وتعتبر هذه الحالة مرضا مستقرا لا يتطور ولا يؤدي بصاحبه إلى العجز او الهلاك.
لم يستطع الاطباء تحديد اسباب الألم العضلي الليفي بدقة، الا ان بعض العوامل المتنوعة كالضغوطات وقلة النوم والاصابات الجسدية والنفسية تساعد على ما يبدو على تفاقمه عند المرضى الشديدي الحساسية على الألم، ولا تزال الابحاث جارية للوقوف على سببه الحقيقي.
يتم تشخيص الألم العضلي الليفي بعد اجراء فحوصات ضرورية لاقصاء امراض أخرى.
الصداع:
يحتل الصداع المرتبة الاولى من حيث انتشاره بين الناس، من منا لا يعاني منه من حين لآخر؟
تتراوح حدته بين طفيف مزعج ومبرح يطرح المريض في الفراش، وقد يتكرر ليصبح أزمة مزمنة. تتعدد انواع الصداع لكنها تصنف ضمن انواع ثلاثة.
صداع الضغط:
يشكل هذا النوع 9/10 من حالات الصداع العامة. وهو يأتي خفيفا او قويا فيؤثر على مجريات حياة المريض اليومية بنسب متفاوتة. يوصف هذا الصداع بالألم البطيء والكليل والضاغط ويشمل الجبهة او فروة الرأس او الرقبة او الصدغين، تنتج انواع عديدة منه عن تقلصات عضلات الرأس المحيط بالجمجمة ويزيدها حدة تمدد شرايين فروة الرأس كما تساهم الضغوطات اليومية كالوظيفة المتطلبة وكثرة التقلبات والمشاجرات مع العائلة او الاصدقاء في حدوثه بالاضافة إلى التحديق المستمر بشاشة الكومبيوتر، وهو يتحول إلى مزمن اذا ما استمر طويلا.
الشقيقة:
يعاني ملايين الناس من هذا النوع من الصداع الذي لا يسترعي انتباهك فحسب بل يضع حياتك بأسرها على المحك.
يتميز داء الشقيقة بألم نابض في جهة من الرأس كالجبهة او الصدغ، يزداد الألم حدة مع ارتفاع الاصوات واشتداد الضوء الساطع، كما يرافقه احيانا حالات الغثيان والتقيؤ. قد يكون الألم خفيفا او شديدا وعادة ما يستمر لبضع ساعات ثم يبدأ بالزوال.
ساد الاعتقاد قديما انه يتعلق بالدورة الدموية وضغط الدم الوافد إلى الدماغ، فعند حدوث النوبة تبدأ الشرايين في الدماغ والرقبة وفروة الرأس بالانقباض ثم تتسع فجأة ويمر الدم بسرعة محدثا انتفاخا وألما.
اما اليوم فالعلماء يجزمون ان هذه التغيرات ليست سببا للشقيقة بل نتيجة لها، والسبب الحقيقي الكامن وراءها هو انعدام التوازن الكيميائي في الدماغ وخاصة مادة السيروتونين التي ترتفع بشكل ملحوظ اثناء الصداع. في 10% من الحالات تسبق نوبة الصداع بعض الاشارات المنذرة التي تسمى بالنَّسَم، يشعر المريض بخذر واضطرابات في النظر تسبق النوبة وتدوم لساعة او اقل.
