يا مدينة السلام ويا مهد الديانات السماوية...يا قدس يا عروس هذا الوطن...يا منارة بحر الظلمات ويا المدينة التي عشقت وعشت فيها اثنين
وعشرين عاما ،قضيتها في غرامك وفي الدراسة والعمل...وعشرين عاما عايشت احتلالك واغتصابك واختلال توازنك ... وها نحن اليوم وبعد اثنين وأربعين عاما من احتلالك نرى كيف تهوّدين ونبتلع المهانة وقد تغيرت معالمك لكن لم يتغير فيك الهوى.. ولحبي هذا أربعة أبعاد. البعد الإنساني الذي أراك فيه من خلال الجوارح والوجدان والعقل،والبعد الوطني الفلسطيني هاجسي الذي يؤرقني فلا استطيع منه فكاكا- وأنا من مواليد الناصرة وسكانها واحمل هويتها وجواز سفر إسرائيليا- والبعد القومي العربي كقضية انتماء، والبعد الديني الإسلامي المسيحي !
ولا انكر حق اليهود كدين لكني انكر حقهم كحركة صهيونية استيطانية باغية تعتمد على حق القوة لا على قوة الحق!
في هذه الأبعاد الأربعة يقينا لا اختزل بعدا على حساب الآخر، وذلك على الرغم من أننا شعبٌ متديّنٌ بالفطرة.
وأقول للإخوة في حركات الإسلام السياسي انكم لا تستطيعون ولن تستطيعوا اختزال محبة القدس وعشق القدس والتعلق بالأقصى فقط في البعد الديني. لا تكونوا كاليهود الصهاينة فللأقصى أيضا أبعاد أخرى- وهو ليس مجرد بناء وقبة مذهبة وحيطان داخلية مزركشة...انه تاريخ وتراث للجميع، وبدون الإنسان لا وجود له وبدون العروبة لا وجود له وبدون الفلسطينيين لا وجود له وبدون حرية المعتقد كذلك لا وجود له.
فالوطن يكتسب معناه بإنسانه، ولا وجود لوطن بدون مواطن ولا لمواطن بدون وطن، متدينا كان أم علمانيا أو حتى ملحدا...وكما انه لا يمكن اختزال المراحل كذلك، لا يمكن اختزال القدس وبيت المقدس وحائط البراق والمصلى المرواني بالبعد الديني.
لقد رضي العرب إجمالا ورضي الفلسطينيون إجمالا بالقدس الشرقية وبحل قضية اللاجئين حلا عادلا وفق الشرعية الدولية بحق العودة والتعويض. لقد رضينا بهم ال67 لكنه لم يرض بنا... .
نتيجة التعنّت والاغتصاب والتوسع والاستيطان وجدار الفصل العنصري الإسرائيلي فمن طبيعة الحركة الصهيونية عدم الإعتراف بالآخر وإنها كأي حركة متعصبة لا ترى إلا ذاتها...وأساطير التوراة عندما تكون على مقاسها تفرضها فرضا على أرض الواقع بالقوة... فتطلق العنان لقطعان المستوطنين يعيثون في الأرض فسادا ويغتصبون الأرض والعرض والزرع والضرع.. ولا يعلمون ان هذه " الضروع مليئة بالبرق"كما قال الدرويش. فيبقى مثلث النضال ضد الحركة الصهيونية وضد الاستعمار متعدد الأشكال وضد الرجعية العربية... يبقى هذا النضال وان تعددت أشكاله اتساقا مع سياسة المراحل ... ويبقى هو الأساس في هذا الصداع وفي هذا الصراع.
وبعد، ومرّة أخرى لا قيمة للقدس دون البعد الوطني ولا قيمة لها بدون البعد القومي، ولا قيمة لها بدون البعد الديني والإنساني... وكما الأقصى كذلك كنيسة القيامة!
وبعد أيضا إذا كان لي أن أختم ، فإنني أختم بمظفر النواب:
القدس عروس عروبتكم ؟
فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها
ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب
لصرخات بكارتها
وسحبتم كل خناجركم
وتنافختم شرفا ... وصرختم فيها أن تسكت صونا للعرض
فما أشرفكم!
أولاد القحبة.. هل تسكت مغتصبة؟
