جَـادَّة الاحتفالات الميلاديّـة

single

رغم انتهاء موسم الأعياد الميلادية المميّزة، ولكن هذه الأجواء، تبقى ترافقنا طوال هذا الشّهر، لأن تتابُع أعيادها، يُعتبَر تكملةً لقصّة الميلاد، لذلك تعالوا نستذكر أهم الاحتفالات الميلادية، وورشاتها الخاصّة، التي أقامتها مجموعة من الشّبّان ليس فقط المسيحي وحَسب، بل أعتبرهُم مجموعة خَدَمَت وفَرّحت أبناء مجتمعها خلال الموسم الرّوحي، في جادَّة الاحتفالات الميلاديّة، فاستقبلوا الجموع الغفيرة من كافّة المدن والقرى المجاورة، الذين شاركوا من أجل تعزيز المحبّة بين أبناء المجتمع الواحد، ليهرُب النّاس من وهج أتون العنف، الذي ما زال يلسعهم يوميًّا بأخباره الحارقة!
أعلَم أنها لم تكن ورشات ميلاديّة، ولكنّي أطلقت عليها هذا الاسم، لتعدُّد الفعّاليّات الميلاديّة التي كانت عامرة بالتّزاحم التحضيري، وقد أطلقوها في موعدها المحدّد بدون أي معوّقات... افتُتِحت بداية إضاءة شجرة الميلاد في كل المدن والقرى العربيّة، والتي تزيّنت بأنوار الهداية، لتعمي أنّظار الطّائفيّة المرعبة... لقد أصبحت إضاءة الشّجرة تقليدًا مجتمعيًّا، ولم تعُد حكرًا على الغرب، يلتف حولها الفرح من كل الجهات، وأصوات التّراتيل الدينيّة والأغاني الميلاديّة تعلو من حناجر الجمهور، تصدح بالدّعاء من أجل السّلام.
إن هذه البنية الأخويَّة المتينة السائدة بين الشّبان المسيحي، ولّدت أيضًا ورشة ترنيم جميلة، أو أمسية روحيّة راقية، أقامتها مجموعة من النّاشطين المتحمّسين، من أجل سماع ورؤية أهمية ميلاد الوفاق، الذي يدعو له طفل المغارة، وقد عُرِضَت عدّة مقاطع من هذه الأمسيات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي أخذت دورًا أساسيًّا في نَشرها للعالم، لأن الديانة المسيحيّة ترأف بعبادها وعبيدها، صراطها التآخي، تنبذ التّعصّب والتكفير الضّلاليّين، تدعو إلى احترام عقيدة الآخَر.
الحملات الخيريّة التي بادر إليها الكشّاف المسيحي في شفاعمرو والمجتمع، تُعَد جزءًا أساسيًّا من ورشة الميلاد، تُقام سنويًّا، لدعم العائلات المحتاجة التي تعيش في مخيّمات العوز والفقر، لأنها لم تجد من يُفَرّحها في هذا الميلاد، سوى المعونات الغذائيّة الأساسيّة التي قدّمها القائمون على هذه الحملات، بدعمٍ من المؤسّسات الاجتماعيّة، وأصحاب النّخوة الذين لم يبخلوا أبدًا بسخائهم المادي والمعنوي، ليدمجوا أكبر عددٍ ممكنٍ من أبناء الطبقة المسحوقة بأجواء الميلاد التي عمّت العالم، كي لا يشعروا بغُربة الأحزان... كي لا يعيشوا في معزلٍ عن بيئة المسرّات.
من المعروف أن ورشة "الكريسماس ماركت"، تقام في معظم المدن العربيّة، لكن في شفاعمرو لها خاصيّة تعبيريّة تاريخيّة، ومجسَّم جميل، وتخليد لذكرى السّوق القديم، بعد أن باءت محاولات إعادة الحياة إليه بالفشل، لأن بلدية شفاعمرو تخلّت عن ترميم عراقته. إن هذه الورشة الميلاديّة الكُبرى، استغرقت تحضيرًا جديًّا، بإمكانيّات جبّارة، أحضر القيّمون عليها قوى حفظ الأمن منعًا للإخلال بالنّظام.
السّوق الميلادي هو عبارة عن بسطات صغيرة لبيع المأكولات الشّعبية والغربيّة، أو الألعاب والصناعات اليدويّة، كان هناك عروض غنائيّة، مخصّصة للميلاد والأطفال. لقد زار أرجاء هذا السّوق جميع النّاس، سواء من داخل شفاعمرو وخارجها... تجوّلوا سيرًا على الأقدام... تمتَّعوا بأجوائه الرّائعة، التي اجتمعت تحت سماء الترفيه، فسطعت ليالي السّوق بنجوم الود والتعاضُد.
تزاحم الوافدون لإنجاح ورشة السّوق الميلادي، لأنها عبّرت عن إيمانهم بميلاد السّماحة. غطّت السعادة أهل البلد بوشاح الأُلفة، واستعادوا ولو جزءًا صغيرًا من حنينهم إلى أيّام السّوق القديم... فكان هذا المشهد في غاية الرّوعة، لأنه يجدّد الثّقة سنويًّا في مغارة العيش المشترك، فنحن بأمسِّ الحاجة لمثل هذه الورشات في هذه الأيّام المباركَة.
هذه الورشات الميلادية التي تقام سنويًّا في جادَّة الاحتفالات الميلاديّة، هي دعوة روحيّة صادقة أيضًا من كل رجال الدّين المسيحيين، الذين ساهموا مساهمةً كبيرة لإنجاز هذا المشروع الميلادي، الذي خرَج إلى النّور بفضل دعمهم المعنوي، ليؤكّدوا أن الميلاد هو الرّاعي الأول للإنسانيّة، والحاضن الأساسي للتّقريب بين القلوب، ليصل الجميع دفء التّسامح الاجتماعي من موقد الأعمال الجماعيّة المشتعلة من جِمار العطاء، الإخلاص والوحدة، كما أنارت درب الجادَّة بأنوار التّوافق والتكاتف، بغية إسعاد الآخرين.
هناك من حاول إطفاء أنوار الاحتفالات الميلاديّة الجماهيريّة، تضامنًا مع القُدس، لكنّه لم ينجح في ذلك، ويجب أن نتذكّر أن مدينة بيت لحم، رغم كل ما مرّ عليها من حصار وتضييق عسكريين، إلاّ أنها حافظت على تقاليد الاحتفالات الدينيّة. الشّعبيّة الكبيرة التي تحظى بها هذه الورشات الميلاديّة في شفاعمرو وباقي البلاد، تدل على مساندة جميع الطّوائف لشجرة العائلة الواحدة، لأن رونق الميلاد لن يكتمل إلاّ باحترام دور الآخرين في إقامة احتفالاته، حسب مفهومه العقائدي، حتّى نوسّع حدود جادَّة الاحتفالات الميلاديّة.   

قد يهمّكم أيضا..
featured

عبد عنبتاوي في "بيان الفِردَوْس المُحْتمَل": احتفاء بالجنّة الأرضية المُمْكِنة؛ هنا والآن

featured

إلى متى دوس الحقوق والاستمتاع بالويلات؟

featured

الى حضرة المحررين والمسؤولين في صحيفة "الاتحاد"

featured

"القطرية" تؤدي واجبها الأساس

featured

قانون القوميّة اليهوديّة: خطرٌ على وجودنا

featured

الأزمة السورية وبذرة التحوّلات

featured

عندما وقع «ليبراليّونا» في غرام فيديل كاسترو!