التغيّرات والتحولات، وأحيانًا حتى الانعطافات، في مواقف عدة دول من الأزمة السورية، تدلّ على حجم الفشل الذريع للسياسة الأمريكية (وأتباعها) في هذا الشأن. و"الفشل" يحمل أكثر من احتمال ومعنى. باللغة "الأمريكية" معناه أن الاستراتيجية التي وضعت لفرض مشروع واشنطن وزعانفها العربية والإقليمية على سوريا لن تحقق مرادَها. وهناك معنى آخر للفشل: لقد ولى إلى الجحيم عهد الإملاءات الأمريكية وفرضها "الناجح" بالغطرسة والإرهاب وحاملات الجند والطائرات.
يكاد يُجمع المراقبون على أن روسيا أحدثت مؤخرًا انعطافة مهمة في تعاطيها مع هذا الملف. وقد انتقلت من الاكتفاء بالجهود الدبلوماسية المرافقة لدعم الدولة السورية، الى الجسور الجوية العلنية، المدنية والعسكرية، الى الشام... حركة الشطرنج الروسية المحسوبة هذه جاءت في ضوء – بل ظلمة – آلام موجات اللاجئين، وتواصل تفشي مجموعات التكفير والإرهاب في سوريا وجوارها، رغم تحالف واشنطن وطلعات طائراته في السماء التي لم تحدث أي تغيير جدي على الأرض (حتى القوة المسلحة السورية التي دربتها واشنطن ودمغتها بـ"الاعتدال"، كانت أولى غزواتها تسليم عتادها العسكري للقاعدة، باعتراف أمريكي..).
كان لافتًا هنا تسارع التحولات في المواقف: بدأت بالأمريكي جون كيري الذي أضاف الى لازمته "رحيل الأسد" مقولة: "ليس بالضرورة فورًا"؛ بعده الفرنسي لوران فابيوس عن مرحلية انتقالية بوجود الأسد؛ ثم الألمانية أنجيلا ميركل بالروح نفسها؛ وصولا الى السلطان التركي رجب أردوغان الذي ناور بشكل مضحك: مرحلة انتقالية قد تكون بدون الرئيس السوري وقد تكون معه..
بطبيعة الحال خرجت تصريحات "ترميمية" لاحقة من تلك العواصم لتخفف من وطأة اعترافها الاضطراري بالأمر الواقع، أو لتناور بهدف ابتزازات الساعات الأخيرة. لكن الاعتراف حاصل، وستوضح الأيام القادمة انعكاساته.
وطبعًا لا حاجة للتوقف كثيرًا عند بعض الزعماء العرب (قطر، السعودية...) الذين يريدون بضربة سحرية خلع الدولة السورية ومؤسساتها وجيشها وحكومتها وخلق "سوريا الجديدة". حكي صبيان! هؤلاء لا يلتفت اليهم أحد، ليس روسيا وإيران مثلا، بل ولا حتى "حليفهم" الأمريكي الذي اعترف رئيسه أوباما في افتتاح جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس الأول بأنه ليس باستطاعة واشنطن بعد "حل المشاكل الدولية لوحدها".. وهنا بالضبط، تكمن بذرة التحوّل. شرطيّ العالم أزعر النهج والمسلك، في طريقه الى التقاعد!
