جدلية الماضي والحاضر والمستقبل

single

يتطلّب البحث عن الغد دائما فهم التاريخ واستيعاب حركته ، والعودة إلى الجذور لفهم أحداث الماضي وتحليلها ومعرفة أصول ارتباطها بالحاضر من أجل المستقبل . والغد الذي نبحث عنه ، لا يتم إلّا بالبحث الواعي عن الأمس . منذ ما يقارب مئتي سنة ، والهموم العربية تراوح مكانها بين مد وجزر ، في مقارعة الاستعمار ، ثم الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية ، والتخلّف الفكري والديني والسياسي . إن الصراع مع الحركة الصهيونية هو صراع قومي من الدرجة الأولى ، كما هو الصراع مع الاستعمار الذي بلغ القمة في تفتيت الدول العربية إثر معاهدة سايكس وبيكو وتتويجها بوعد بلفور ، الذي وهب فلسطين وطنا قوميا لليهود .
الحركة الصهيونية هي حركة سياسية تتلفع بالدين والوعد الإلهي من أجل حرف الصراع القومي والطبقي إلى ديني ، تماما مثل الإسلام السياسي .. تساندهما (أي الصهيونية والإسلام السياسي) الرجعية العربية . حالة نكوص إلى الدين في الجانبين . يرافقها نكوص إلى الوراء بكل ما يتعلّق بالاجتهاد الديني والسياسي والاجتماعي ، بعيدا عمّا يحدث في العالم من إنفتاح وتقدّم علمي ، نتيجة فصل الدين عن الدولة كما حدث في أوروبا منذ القرون الوسطى  . أوروبا التي سالت فيها الدماء على مدار ثلاثة قرون حتى تم الفصل ، وتخلّصت من حكم البابوات والإقطاع ، كيف يمكن لها أن تقبل اليوم حكم الشريعة التي يحاول متطرّفو داعش فرضها عليها بالقوة والإرهاب والهوس الديني ؟ ذلك الهوس الذي يشجعه الغرب (إن لم يساهم في خلقه) في الشرق الأوسط ، بتمويل من الرجعية العربية ، وتلك جدلية المصالح ، التي لا يمكن فهمها إلّا بالرجوع إلى أصولها .. من خلال جدلية الماضي والحاضر والمستقبل .
 فلا يكتمل فهم الغد ولا التخطيط له في الراهن إلّا بدراسة وفهم واستيعاب الماضي وأخذ العبر من أحداثه .  ولا يدرك هذه الجدلية إلّا العقل النقدي الدايلكتيكي . إن ما وصلت إليه أوروبا بعد حسم الصراع لصالح الدولة ، وانتقالها من الدولة الدينية إلى الدولة القومية هو السبب الأساسي لتقدمها الحضاري . ولا يمكن لنا أن نتقدم كعرب في المشرق والمغرب إلّا من خلال حسم الصراع مع الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية على الأساس القومي والوحدة أو الاتحاد الفدرالي كمرحلة أولى ، والبدء بتوحيد مناهج التربية والتعليم والمصالح الاقتصادية والقضاء على التخلّف والاستغلال والاستبداد .
لقد صدرت مؤخرا الطبعة السادسة لكتاب إميل توما "جذور القضية الفلسطينية" ، مضى ما يقارب الخمسين سنة على الطبعة الأولى ،وما زال الكتاب حيًّا وكأنه كتب اليوم ، فاقرأوه ! الجملة الأولى التي يبدأ بها الكتاب هي: "لم تنشأ القضية الفلسطينية في عزلة عن الأحداث العالمية بل كانت جزءًا لا يتجزأ منها".   
 
قد يهمّكم أيضا..
featured

ولكن الرئيس لا يجيب..!

featured

التسلح العربي لا يشكل خطرًا على اسرائيل "وإنما الخطر الديموغرافي"!

featured

آن الاوان لتجسيد الحق الوطني الشرعي

featured

لا للاستيلاء على الشاطئ..

featured

إيّاكم واليأس، فاليأس قاتل

featured

لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل (2)