راودتني قصَّة ذلك الصَّبيِّ العاق، الذي قتل أمَّه وأحضر قلبَها لعدوِّها مقابل حفنة من الدَّراهم، ففي طريقه تدحرج الصَّبيُّ وسقط هاويًا على الأرض فناداه قلب الأمِّ وبه لوعة وحسرة وحنان سائلا: "ولدي حبيبي هل أصابك من ضرر"، فشعر الإبن بصاعقة تضربه في فؤاده وبسيف يُقطِّع كبده، وبعد أن شعر بخيانته لأمِّه وأهل بيته استلَّ سيفه ليقتل به نفسه، فناداه قلبها ثانيةً، راجيًا:"لا تذبح فؤادي مرَّتين.." فهذه هي الأمُّ الرَّؤوم والعطوف والرَّؤوف، مهما عانت وقاست من أبنائها، يبقى قلبها على أبنائها، فدونهم حبل الوريد..
هي الشَّام أمُّنا، تكابرُ وتعضُّ على جسدها الكليم، وتنادي، مرَّة تلوَ الأخرى، جميع أبنائها بالعودة إلى الدِّيار والاستقرار والحوار دون قيد أو شرط مسبقين، حتَّى لا تُذبح مرَّتين، لكنَّ معاذ الخطيب من معارضة الدَّوحة، يُصرُّ خاسئًا، كما غيره من المعارضين "المُشركين" أن ينحر أمَّه وأولادها ويكشف عن دُبره ويبيعه للثَّالوث الدَّنس بشروطه للحوار، أن ينحر أمَّه وأولادها ويُطمئن مثلَّث التَّآمر والشَّرِّ ويتوعَّد أبناء جلدتِه، بذبحهم على أيدي مرتزقة لممٍ من عرب ومسلمين من جميع أصقاع العالم تعمل تحت إشراف وإمرة أمريكا وقطر وتركيا واسرائيل وغيرهم من أشرار العالم، حيث جمعوهم في بلد السَّلام وأرض الرِّسالات ليعيثوا بها دمارًا وقتلاً وخرابًا وبطشًا..
تمرُّ هذه القصيدة في خلدي كلَّما جُرِحت دمشق، أو أصابها مكروه، أو حتَّى كلَّما لاعبت الرِّيح أهدابها، أو داعبت ريشةً تكتُبُ اسم بلاد الشَّمس على "الشَّمس التي لا تغيب"، هي الشَّام، شامنا، جمل المحامل، هي صخور قاسيُّون التي تعانق الشُّهبَ والسُّحُبَ "فمن وقع على هذا الحجر تهشَّمَ، ومن وقع هذا الحجرُ عليه سحقَه"..
ستبقى شآمنا أمَّنا وعشقَنا الأوَّل وحبَّنا البكريَّ وحبَّة عيون العرب منذ الأزل وإلى الأبد، هي قلبهم النَّابض بالحيويَّة والبطولة والرَّابض على قلوب أعداء شعوبنا التي تصبو إلى الحرِّيَّة والتَّحرُّر والرَّابط على الحقِّ والعدلِ، هي الشَّام التي ستبقى ما بقي الليل والنَّهار، عصيَّةً على معاصيهم، مضيئةً ما بقي القمران ينيران دربنا وخفَّاقةً ما بقي الدَّمُ الزَّكيُّ يسير في عروقنا والنَّبضُ يُراقص قلوبنا وأفئدتنا، وستبقى فيحاء الشَّام حلوة الحلوين وأرض الياسمين.
وسيبقى زئير الورد يردُ ما بين الفرات والنِّيل مناشدًا الحرِّيَّة والشَّرف والكرامة والوحدة لخير أُمَّة أُخرِجت للنَّاس..
