// ثمة لغة جديدة تتحرك في منطقتنا، لغة نديّة مباشرة وخارج البلاغة تمامًا. انتهى زمن وبدأ زمن، انتهت تلك الأوقات التي كانت فيها ذراع إسرائيل تدخل غرف نومنا وتحرك أحلامنا. بشيء من التصرف أفكّر أن هذا ما قاله الشاب المصري الذي أنزل علم إسرائيل عن السارية في وسط القاهرة
لست متأكداً إذا كان الشاب المصري الذي تسلّق جدران سفارة إسرائيل في القاهرة، والذي أنزل العلم الإسرائيلي عن السارية، يعرف أنه أطفأ الضوء على زمن وفتح بداية زمن آخر، لست متأكداً إذا كان يعرف أنه محمول على موجة من ملايين الأيدي التي تلوح في شوارع المدن العربية من تونس وحتى صنعاء مروراً بطرابلس الغرب وصولاً إلى القاهرة، ولكنه فعل ذلك، قال كلاماً مهماً وهو يتسلّق الجدار تاركاً ظهره لرجال الأمن وبنادقهم التي لم تصوّب نحوه ولم تسخن فوّهاتها، كان يفكر كما يفكرون، دون شك، بأجساد الرجال الثلاثة من حرس الحدود المصري بأسلحتهم الفقيرة وهي معفرة بالدم والرمل في أقصى سيناء.
مثل إشارة اختتام مذهلة بدا الأمر، انتهى زمن وبدأ زمن، انتهت تلك الأوقات التي كانت فيها ذراع إسرائيل تدخل غرف نومنا وتحرك أحلامنا. بشيء من التصرف أفكّر أن هذا ما قاله الشاب المصري الذي أنزل علم إسرائيل عن السارية في وسط القاهرة وعاد إلى منزله بأمن وسلامة. الأعمدة الثقيلة التي وضعت عشية توقيع اتفاقيات "كامب ديفيد" كاستكمال لاتفاقيات "فصل القوات" في سيناء والجولان، ثم "أوسلو"، الأعمدة التي شكلت مظلة أمان لعربدة العنصرية الإسرائيلية، وعزلت النخب السياسية وطبقة الأنظمة عن واقع المنطقة تتهاوى، والأمر برمّته يعود إلى الشارع الذي يواصل تفكيك المعبد وكهّانه ومذابحه وقرابينه، ويعيد قيم الكرامة والسيادة إلى واجهة الصراع.
سيفكرون كثيراً في إسرائيل منذ الآن قبل أن يذخّروا بنادقهم، سيفكرون كثيراً عندما يغضب المصريون والسوريون والفلسطينيون واللبنانيون... سيفكرون كثيراً عندما يرسلون "سلاح الجو" لقتل الأولاد في أسرّتهم أو تدمير محطات الكهرباء ومضخات المياه، أو اغتيال ثلاثة فتيان من حرس الحدود المصري على حافة سيناء.
ثمة لغة جديدة تتحرك في منطقتنا، لغة نديّة مباشرة وخارج البلاغة تماماً، خطاب لم يتأسّس على استعارات النخب بقدر ما وضحه ضعف الثقة بدور النخبة وقاموسها وبرامجها، الثغرة التي واصلت اتساعها في العقود الأخيرة بين حاجات الناس وقوتهم وبين أدوات التعبير عنها التي حملتها النخبة وتمترست خلفها، وأعادت إنتاجها بأدوات السلطة نفسها، ونزوعها إلى دكتاتورية موازية، هذه الثغرة هي مصدر قوة الشرائح العريضة الصاعدة، والتي أثبتت قدرتها على إحداث التغيير وحراسته وتطويره وتولّي قيادة العربة، وهو ما لم يعد ممكناً تجاهله، وهو ما ترجمه بلغة واضحة الشاب المصري الذي أنزل علم "إسرائيل" عن السارية وتركها عارية ونظيفة للمرة الأولى منذ وصول أول سفير إسرائيلي لأول عاصمة عربية.
