في مطعم قوت الكادحين
في العام 1955 تم اختيار مجموعة من رفاق اتحاد الشبيبة الشيوعية في حيفا من أجل ترفيعهم إلى صفوف الحزب بمناسبة ذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية. وقد كنت واحدا من بين الرفاق الذين تم اختيارهم لنيل هذا الشرف، وأصبحت عضو خلية حزبية لها خصوصية تختلف عن خلية الشبيبة من حيث الواجبات والمسؤوليات. كما تقرر إبقائي في صفوف "الشبيبة" مسؤول خلية للشبيبة العاملة، حيث كنا نعالج قضايا الشباب بواسطة اللجنة النقابية في الحزب والتي كان يرأسها رفيقنا طيب الذكر كوهين سلفاتور. كان الرفيق كوهين عضو مجلس عمال حيفا وكان متمرِّسا في العمل النقابي على درجة عالية. فقد كان يرافق الشباب إلى منظمة الشبيبة العاملة (نوعر عوبيد) ويحصّل لهم حقوقهم. كما كان إلى جانب قضايا العمال في أماكن عملهم . وقمنا بتوزيع النشرات النقابية الشهرية في أماكن العمل وأماكن تجمع العمال.
لقد أولينا اهتمامًا كبيرًا للقضايا اليومية للسكان العرب الذين ذاقوا الأمرَّين من السياسة التي كانت تمارس ضدهم في جميع المجالات الحياتية. فقد عانوا معاناة شديدة من الاستغلال الطبقي في العمل.
• أهل البيت.. حاضرون غائبون!*
كان عدد السكان العرب في حيفا يزيد عن 70 الف نسمة قبل الحرب والتهجير، ولم يبق منهم في المدينة سوى بضعة آلاف تجمعت في الأحياء التالية: وادي النسناس، حي عباس، الحليصة، محطة الكرمل، ووادي الجمال. رويدًا رويدًا ازداد عدد السكان العرب من سكان منطقة حيفا ومن قرى الجليل الذين أتوا طلبًا للرزق.
وبدأت تظهر مشكلة السكن. فإلى جانب كل شقة سكنية تابعة للمواطنين العرب استوطنت عائلة يهودية. وكانت المنافع والمطبخ مشتركة لعدد من الجيران الذين جاؤوا لمزاحمة السكان العرب حتى على المأوى بقصد عملية تهجير جديدة. ولولا وقوف رفاق الحزب الشيوعي يهودا وعربا دفاعا عن السكان وحمايتهم لنجحت المؤامرة وأفرغوا المدينة كليا من العرب الذين جاؤوا من قرى الجليل. لقد جاء هؤلاء إلى حيفا بواسطة تصاريح من الحكم العسكري الذي وضع كافة العراقيل أمامهم حتى لا يقيموا في المدينة. فقد اضطر العديد من سكان حيفا الأصليين أن يتركوا بيوتهم..وعندما أرادوا العودة إليها وجدوها محتلة. فقد احتلها يهود غرباء ادعوا ملكيتهم على هذه البيوت والأملاك. وأصبح أصحاب الأملاك الحقيقيون..لاجئين في وطنهم. ووقعوا تحت طائلة قانون غريب..فاعتبروا "حاضرين غائبين". كما ان الاكثرية الساحقة اصبحوا لاجئين وراء الحدود.
• تعاونية قوت الكادحين*
لقد أتاح العمل في تعاونية "قوت الكادحين" إمكانية التعرف على الناس وعلى مشاكلهم الحياتية، حيث كانت المشاكل كثيرة ومتشعبة. فقد تمزق شمل العائلات وتفرق الأبناء عن الأهل، وكم من رب عائلة وجد نفسه وحيدًا، أما العائلة فبعيدا خارج الوطن وخلف الحدود. هذا الوضع أجبر الناس على السكن في بيوت أو غرف غير ملائمة للسكن من حيث الرطوبة والدلف .
وقد أدرك الحزب هذا الوضع وناضل بكل قوة من أجل الدفاع عن الأرض كما دافع عن المسكن. لم تكن المشكلة مقصورة على السكان العرب في حيفا وحدها، بل في المدن المشتركة الأخرى: عكا ويافا والرملة واللد. لذلك بادر الحزب و"لجنة الدفاع عن الأرض" في بداية العام 1980 إلى عقد مؤتمر في الناصرة حضرته جموع غفيرة من الجماهير العربية جاءت من جميع أنحاء البلاد لتعلن صرختها دفاعا عن الأرض والمسكن.
• رئيسًا للجنة العمل البلدي*
وإزاء هذا الوضع في حيفا لم نستسلم لهذا النمط من الحياة التعيسة. وبناء على قرار لجنة المنطقة الحزبية في حيفا تم إقامة "لجنة للعمل البلدي" وانتخب كاتب هذه السطور رئيسًا للجنة. ومعه الرفاق عربا ويهود الذين نزلوا إلى الساحة وناضلوا من خلال كتابة التقارير الصحفية التي نشرت في الصحف العربية والعبرية. وقد أرفقنا التقارير بعرائض موقعة من السكان. وفي إحدى العرائض تم إحصاء 75 عائلة وصل عدد أنفارها إلى 498 نسمة. وكان مجموع الغرف لهذه العائلات 105 غرف في منطقة حي وادي النسناس والمناطق المحيطة به، أي بمعدل 5 انفار في الغرفة. إنه وضع مزرٍ ولا إنساني لا يطاق. أرسلت العريضة إلى رئيس بلدية حيفا ووزارة الإسكان في القدس تطالب بحل الأزمة الخانقة التي تشكل نموذجًا لوضع السكان العرب في باقي أحياء المدينة الذين يعانون الأمرّين. وبفضل نضالنا الدؤوب تم بناء 30 وحدة سكنية في نهاية شارع عباس..أي في شارع المطران حجار اليوم. وكان هذا أكبر إنجاز للمواطنين العرب في حيفا. فقد حصل المستحقون على البيوت بشروط مريحة وسهلة، وحالفهم الحظ عندما أقدمت الحكومة على تغيير الليرة إلى الشاقل القديم، حيث أصبح القرض الذي حصل عليه المستحق زهيدًا جدًّا بعد حذف عدد من الأصفار من العملة الجديدة. وبفضل هذا النضال حصلنا على كثير من الخدمات البلدية في الأحياء العربية، وأصبحنا عنوانًا لكل من له مطلب من السلطة المحلية. وكان المكسب الهام للسكان العرب في المدينة إعادة تمثيل الحزب في المجلس البلدي ودخول الرفيق زاهي كركبي عضوًا في بلدية حيفا بعد انقطاع تمثيل الحزب في البلدية دام اكثر من 15 عامًا. كما تم تعيين كاتب هذه السطور رئيسًا للجنة حي وادي النسناس (منطقة رقم 18).
• إنجازات اللجنة*
وقد استفاد الحي بفضل هذا النضال محققًا الإنجازات التالية:
1- ترميم سوق الخضار في شارع مار يوحنا.
2- تحسين وضع الإنارة وزيادتها في الأحياء العربية.
3- الحصول على قروض للسكن. وخصوصا برنامج 3+
4- إقامة لجنة بمبادرة الدكتور عيسى نقولا عندما انتخب عضوا في المجلس البلدي من أجل بناء عمارة سكنية في شارع الخوري.
5- عارضنا وأفشلنا شق شارع يربط شارع الخوري مع شارع قيسارية بمحاذاة مدرسة الأخوة وطالبنا بمساعدة رفيقنا طيب الذكر توفيق طوبي بإقامة ملعب يستفيد منه أولاد الحي. وهذا ما حصل . كما عارضنا هدم بناء أثري في وادي الصليب قرب حمام الباشا المعروف باسم بيت شبيب وتحولت البناية الى مسرح بلدي.
أعضاء المجلس البلدي ممثلي الجبهة كانوا وما زالوا شعلة في النضال دفاعًا عن قضايا الأحياء الفقيرة..مما زاد من تمثيل الجبهة في المجلس البلدي من عضو واحد إلى اثنين في عدة دورات. واليوم أصبحت كتلة الجبهة في البلدية عنوانًا لكل المحتاجين من الطبقات المسحوقة، وساعدت في حل كثير من المشاكل في الأحياء، مثال ذلك تقديم الاعتراضات على ضريبة الأرنونا، ترميم الشوارع في الأحياء العربية، وغيرها من القضايا التي عملت الكتلة على حلها.
**
هما تحدثنا وكتبنا عن مسيرة عمرها ما يزيد عن 50 عامًا، يظل هذا غيضًا من فيض من النضال والتضحية والعطاء. فلكل رفيق قصة بل عشرات القصص من العطاء والتضحيات، ولكل رفيق أو صديق بصمة أو بصمات على خارطة التاريخ الشفوي لجماهيرنا. فقد نذرنا أنفسنا دفاعًا عن قضايا المسحوقين من أبناء شعبنا مهتدين بالقول (تعلم في النضال وناضل عن علم) كما لا ننسى دور جمعية المبادرة الاسلامية برئاسة المربِّي الاستاذ فتحي فوراني "دفاعا عن الجذور" والمقدسات العربية كافة.
• أنا والعنف!*
لم ألجأ مرة في حياتي إلى العنف في حل المشاكل، إذ لم يكن هذا من شيمي. بل كنت أدافع عن كرامتي إذا تعرضت إلى اعتداء بسبب انتمائي إلى حزبي أو في الحياة العادية. ففي هذه الحالة كنت أعرف كيف أردّ الصاع صاعين.
ذات مرة جاء تاجر جملة طالبًا من "جمعية قوت الكادحين" تسديد دين بمبلغ عشر ليرات. لم يكن مدير الجمعية موجودًا، فطلبت من التاجر أن يأتي في صباح اليوم التالي، لكنه لم يقتنع بقولي هذا. وقد رأيت الشر يتطاير من عينيه، فهمّ بأخذ ميزان الدكان.. وعندها حاولت منعه بكل ما أوتيت من قوة فاشتبكنا بالأيدي. وأثناء العراك تدخل رفيقي أبو نواف الشاب الوسيم محذرًا إياه وطالبًا منه أن يترك الميزان، ثم لكمه على وجهه بقبضة يده وأرغمه على ترك الميزان..ففرّ مذعورا!
في اليوم التالي جاءت مجموعة من الزعران طالبين معرفة اسم الشخص الذي ضربه. وكان ردّي الحازم أني لا أعرفه! فصوّب أحدهم المسدس إلى رأسي وهددوا بقتلي إذا لم أكشف اسم الشخص الذي ضربه. وأمام إصراري اضطروا إلى تركي وذهبوا لتقديم شكوى في الشرطة، وبعدها تدخل أصحاب النخوة وحلوا القضية سلميا
.
• طوشة وتهديد ووعيد.. ثم مصالحة!
ذات يوم.. تشاجر بنحاس مع جاره جورج وهما جيران عمل في شارع الخوري. كان سبب الشجار حق كل واحد على ملكية مساحة من الأرض (الرصيف) راح بنحاس يتهدد ويتوعد وأراد أن يضرب جورج بآلة حادة. وإثر سماع أصوات (الطوشه)، تجمهر الناس حولهما، ولم يتقدم أحد لمنع حدوث ما لا تحمد عقباه. لم أبق مكتوف اليدين.. ولم يكن أمامي إلا أن أتدخل.. فتدخلت ونزعت الآلة من يد بنحاس. فقام بدوره باستدعاء الشرطة مدعيًا أننا اعتدينا عليه. حاول أفراد الشرطة اعتقالي، وأمام أصوات الاحتجاج التي انبعثت من المتجمهرين، يهود وعربا، والذين كانوا شهودًا على كذب بنحاس وعلى أنه هو المعتدي، وما قمت به حقًّا هو منع حدوث جريمة بين الاثنين، أمام هذا الاحتجاج، اضطر بنحاس أن يقبل بالصلح وعادت الشرطة أدراجها.
• مع بائع البرتقال إلى جوية!*
عندما كنت صغيرًا وأعيش في جنوب لبنان، جاء إلى الضيعة بائع متجول يبيع اليوسف أفندي وهو نوع من الحمضيات. سمعته يقول ردًّا على سؤال واحد من البلد إنه من بلدة جوية جنوب لبنان. وحيث إن والدتي كانت تسكن في جوية، فقد شدني الشوق إليها. طلبت من البائع أن أرافقه إلى جوية للقاء أمي. فاستجاب لطلبي هذا.
كانت لديّ سلة من قصب تركتها أمي قبل أن نتشرد. حملت السلة ولم أبلغ أحدًا بذهابي مع البائع إلى جوية. غير أن أختي فاطمة انتبهت في المساء إلى أنني لم أعد إلى البيت. فأخبرت أولاد عمي بذلك، وشاع الخبر. فهبّ الجميع للبحث والتفتيش في كل زاوية ومكان فلم يعثروا عليّ. غير أن أحد الأقارب قال: سمعته يتحدث مع بائع البرتقال! وعندما علموا أن البائع من بلدة جوية زاد الاعتقاد أنني ذهبت معه للقاء أمي. وعندما عدت أكلت نصيبي من الكفوف الساخنة! ثم دار الزمان دورته..ومرت الأيام وانتقلنا إلى حيفا.
• يا عيني على هيك حراس!
في مساء أحد الأيام قلت لأختي فاطمة إنني ذاهب لحضور اجتماع للشبيبة في نادي الشبيبة الكائن في درج الموارنة.
في نهاية الاجتماع قال السكرتير إن ثلاثة رفاق عليهم واجب هام هذه الليلة.. وهو حراسة النادي خوفًا من اعتداء محتمل على نوادي الحزب. طلبت أن أذهب كي أخبر شقيقتي بالأمر، وكان ردّ الرفيق المسؤول أنه سيقوم بهذا الواجب شخصيًّا ويبلغ شقيقتي بذلك. تم إبلاغ أهل اثنين منا، ونسيا إبلاغ شقيقتي! فلم يصلها البلاغ.
الساعة الواحدة ليلا! وبعد قلق شديد نزلت شقيقتي إلى النادي فوجدت الباب مغلقا ومقفلا بجنزير. وبعد جهد جاهد استطاعت الدخول. وجدتني نائمًا على الأرض.. كان التعب تسلل إلى أنحاء جسدي وغالبني النعاس فرحت أغط في سبات عميق.
وفجأة صحوت على صوت يقول "الناس نايمين"!
وإذا بشقيقتي تقعدني من النوم وتقول ساخرة: يا عيني على هيك حراس! كأنها نسيت القلق الذي دفعها الى البحث عن أخيها..
