الراحل حسن بشارة، باق في ذاكرة بنات وابناء شعبه
*شارك أبو جهاد في العديد من المناسبات الاجتماعية والسياسية، ولم تخل مناسبة إلا وكان له بصمة فيها. كان أبو جهاد رائدًا في هذا المجال، لا ينافسه احد في إثارة الخطب النارية التي ألقاها في الحملات الانتخابية لنصرة الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة التي اعتبرته ركنًا أساسيًا من أركان عمارتها*
//
رحل عنّا أخونا وحبيبنا الأستاذ المربّي حسن بشارة "أبو جهاد" بتاريخ 2001/12/18 أي قبل عشر سنوات من اليوم. توفي وهو رئيس مجلس الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة وبرحيله ترك وراءه فراغا ليس بمقدور احد منا أن يسده. وكانت وفاته خسارةً لا تعوض أبدًا.
كان رحمه الله عاشقًا للغة العربية ومولعا بها، بل اعتبرها رمزًا لهويتنا ولقوميتنا الفلسطينية. ولم يتوان يومًا من أجل خدمة لغة الضاد والمحافظة على أشكال حروفها. واستطاع بفكره العميق وبسعة صدره أن يورثها لطلابه على مدار عشرات السنين. وقد ساعده عمله كمعلم ومربٍّ في مدرسة الطيبة الثانوية أن يحقق ما كان يصبو إليه، إضافة إلى عمله النضالي التطوعي ومساهمته الفاعلة في إعداد طلاب المرحلة الثانوية لاجتياز مادة البجروت. وليس غريبًا على هذا المربي الفاضل أن يستمر عطاؤه التثقيفي في بلده الطيرة، ودأبه المتواصل لتقديم المساعدة حتى بعد أن أحيل إلى التقاعد.
إلى جانب اهتمامه البارز بخلق شخصية الطالب العربي، انحاز اهتمامه إلى تثقيف المعلم كأساس يرتكز عليه المجتمع؛ فقدم دورات استكمال لتعزيز مقدرة المعلم والنهضة باللغة العربية " اللغة الأم" التي يجب أن نعتز بها. وقد اعترف عدد كثير من المعلمين بمقدرة حسن بشارة اللغوية وبثقافته القومية العالية. وما فتئ عدد ليس بقليل يشيدون برأيه وبمنهجه في حل مشاكل نحوية ولغوية مستعصية، وقع بها المثقفون.
شارك أبو جهاد في العديد من المناسبات الاجتماعية والسياسية، ولم تخل مناسبة إلا وكان لأبي جهاد بصمة فيها. فحينًا يداعب أسماعنا بكلمات نسيناها فغابت عنا، وحينًا آخر يسمعنا خطبة سياسية تثير أحاسيسنا، وتارة أخرى يتعبنا بخطبة تأبين تفتت قلوبنا. كان أبو جهاد رائدًا في هذا المجال، لا ينافسه احد في إثارة الخطب النارية التي ألقاها في الحملات الانتخابية لنصرة الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة التي اعتبرته ركنًا أساسيًا من أركان عمارتها.
كان أبوجهاد سريع البديهة، إذا لحن احد في حضرته استوقفه وصححه على الفور، ولعل هذه السمة التي تحلى بها أبو جهاد جعلته لا يحتمل أن يستمع إلى متحدث يلحن في اللغة وأصولها، حتى وإن كان المتحدث خطيب المسجد؛ فطالما انتظر أبو جهاد الخطيب بعد انصراف المصلين، ليشرح له بلباقة وأدب ما وقع فيه من أخطاء في خطبته. وبدوره كان الخطيب يقف ليستمع لملاحظاته ولغته الجميلة، يتقبلها بكل احترام وتقدير.
ساهم أبو جهاد بكتابة الكثير من المقالات التي نشرت في المجلات والجرائد المحلية. كما عمل في حقل الترجمة، وشارك في عدة ترجمات من اللغة الانجليزية والعبرية إلى العربية، ودقق العديد من الكتب والمجلات قبل إصدارها مثل الاتحاد والجديد.
دافع بقوة عن موقفه تجاه قضية شعبنا الفلسطيني، وكثيرًا ما ناصر طلابه وحثهم على التمرد ضد الظلم إذا انتقص حقهم. وتحضرني في هذا المجال قصة حدثني بها احد طلابه الأخ مفيد صيداوي، حينما تتلمذ على يده في المدرسة الثانوية في مدينة الطيبة. قال: دخل أبو جهاد الصف فوجده مكتظًا بالطلاب فصاح قائلا : ما هذا؟ عدد هائل! لو كنتم دجاجًا لما فعلوا بكم هكذا، قال أبو جهاد ذلك وأدار ظهره للطلاب وأردف قائلا بصوت مخنوق خافت: لو كنت مكانكم لأعلنت الإضراب. وفعلا بعد انتهاء الحصة، خرج الطلاب من الصف معلنين الإضراب، فتصدى لهم مدير المدرسة، لكنهم رددوا جملة أبي جهاد قائلين: نحن لسنا بدجاج، فصاح المدير وقال بلهجته المصرية: فعلتها يا حسن، توجه الطلاب بمسيرة تظاهرية إلى المجلس البلدي وجلس ممثلون عنهم مع الرئيس ووعدهم بإصلاح الأمر.
مع كل أسف صادفت ذكرى وفاتك العاشرة مع فقداننا صهرك الذي أحببناه، وأنت كذلك أحببته واحترمته لدماثة خلقه وحسن معاملته، رحمه الله واسكنه فسيح جنانه. كما فقدنا صديقًا لنا ولك يا أبا جهاد! وهو الدكتور حسن متاني الذي لم ينس فضلك عليه في مواصلة دراسته حتى أصبح طبيبا ناجحا يرتسم خطاك.
رحيلك يا عزيزي ويا ابن عمي كان ضربة قصمت ظهورنا، كنت رفيقًا وصديقًا وحبيبًا رحمك الله وأسكنك فسيح جنانه.
عزاؤنا يا أصيل انك تركت أبناء ً وأحفادا شرفاء حافظوا على اسمك ونهج دربك وكانوا مصدر فخر واعتزاز لنا جميعًا. ولتبقَ ذكراك هاجسًا يدفعنا لإكمال مسيرتك والالتزام بنهجك.
(الطيرة)
