*ما الذي يريده الذين يُغرقون المعارضة بالسلاح والمال ويدفعونها إلى التعنّت ضدّ أيّ تسوية للوضع، أيريدون الإصلاح أم دفع البلد إلى الخراب وإدامة التطاحن بين أبناء البلد الواحد حتى لا تقوم لسورية قائمة ولا يبقى لها دور؟*
لم يبقَ في الوضع السوري ما يجيز التذرع بعدم المعرفة. فموقف النظام واضح، سياسته واضحة، وأهدافه، وسلوكه، وما هو مصمِّم على فعله أو مصمِّم على تجنُّبه. ومواقف الفصائل المعارضة واضحة هي الأخرى. واضح ما يريده الداعون إلى الإصلاح، هؤلاء الذين يتوخَّون تحقيق الإصلاح بالضغط على النظام والتحاور معه دون استخدام السلاح. واضح ما يريده مستخدمو السلاح ضد النظام، هؤلاء الذين رفضوا أيّ حوار وواصلوا دعوتهم إلى التدخل العسكري الأجنبي. وواضح أيضًا ما يريده المتدخلون من الخارج، والمحايدون، والذين لا يعنيهم الأمر.
يجد النظام سنده الداخلي في "أحزاب الجبهة" التي استند إليها منذ آلت قمّة السلطة فيه إلى يد الرئيس الأسد الأب. ويستفيد النظام من مواقف معارضي استخدام السلاح والمتخوفين من مخاطر التدخل العسكري الأجنبي، كما يستفيد من أمر بالغ الأهمية؛ فنوعية الأطراف التي تموّل فصائل المعارضة وتسلحها لا تظهر أن بديل النظام القائم سوف يكون بأي حال من الأحوال أفضل منه، بل توحي لسوريين كثيرين بأن البديل سيكون أسوأ.
وتجد المعارضة سندها الداخلي في بقايا ما كان للإخوان المسلمين من قواعد شعبية، وفي أشتاتٍ من الناس والتيارات في الأوساط الأشدّ محافظة، وفي أوساط يساريين هامشيين، على الأغلب، بلبلتهم التطورات التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي، وفتنتهم الدعوة الامبريالية إلى الديمقراطية، فلم يُعنوا بالتمييز بين جواهر الديمقراطية وبين زجاج هؤلاء الامبرياليين الملون. أما تعويل المعارضة الفعلي فيقوم على السند الخارجي. وعن هذا السند، حدّث ولا حرج، وحدّث عن الختل والأهداف الشريرة ولا حرج أيضًا!
الإخوان المسلمون في سورية مبغوضون، ليس من قبل ناس السلطة وحدهم، بل من قبل أغلبية الشعب، وليس من ناس الأقليات العرقية أو الدينية، بل من جمهرة هذا الشعب. هذا البغض أسّسه سلوك الإخوان المسلمين منذ نشأتهم وفاقمه سلوكهم حين ناوأوا عهد الأسد الأب. ففي نشاطهم ضد ذلك العهد، انطلق إخوان سورية المسلمون من حكاية أن النظام القائم نظام طائفي علوي لا يسنده إلا العلويّون. ورأى الذين حملوا السلاح ضد هذا العهد، فيما النظام مشتبك مع نظام الرئيس السادات وتوجهه إلى رهن مصر للمشيئة الأميركية، ضرورة حمل العلويين الأخيار إلى الانفضاض عن نظام الأسد، كي لا يبقى مع النظام إلا الأشرار، فيسهل التحريض ضدّه.
ولتحييد الأخيار، اتبع الإخوان نهجًا أقلّ ما يقال عنه إنه عجيب وغريب حتى بمقاييس الشرّيرين، فاستهدفوا اغتيال أخْيَر الأخيار لإخافة البقية. وباختيارٍ جمعَ السفاهة وضيق الأفق والتخلّف والشّر، اغتال إخوان سورية نخبة من خيرة الناشطين في حقول العمل العام في البلد، وسبّبوا لأنفسهم بغض غالبية الشعب.
وحين فتك جيش النظام بمسلحي الإخوان الذين اكتسبوا في نظر الجمهور سمة المجرمين، دمّر الجيش حيّ الحاضر في مدينة حماة على رؤوس سكانه. فعل عهدُ الأسد الأب هذا ليقضي على مسلحي الإخوان المختبئين في منازل هذا الحي. وكانت المجزرة الشهيرة، حيث سُحق تنظيم الإخوان المسلح وقُتل ألوف الأبرياء. وعلى هول المجزرة التي استنكرتها غالبية الجمهور، لم ينطوِ الاستنكار على تعاطف مع ضحاياها من الإخوان المسلمين. فالجمهور السوري المسيّس عدّ الإخوان بوصفهم البادئين في العدوان وحمّلهم مسؤولية التسبّب في ما فعله الجيش بالمدينة.
نظام البعث ليس نظامًا طائفيًا، إذا استُخدمت المعايير العلمية في توصيفه. وعهد الأسدين، الأب والابن، يُعوّل على كثيرين من العلويين، غير أن معارضيه من هؤلاء كانوا على الدوام ضمن الأقوى بين معارضيه كلّهم. وهو لا يعوّل على علويين فقط، بل يعتمد على قوى وناس من الأوساط كافة، خصوصًا في الشارع السنّي وبين ناسه. وفي سورية: الإخوان المسلمون هم الطرف الوحيد الذي يُروج برنامجًا مبنيًا على رؤية طائفةٍ واحدة. وليس مهما بعد ذلك ان تكون هذه الطائفة كثيرة العدد أو قليلته، المهم في سلوك الإخوان وفكرهم أنه موجه ضد الطوائف الأخرى. وواقع الأمر الآن أن مسلحي الإخوان، مثلهم في هذا مثل مسلحين مأجورين في صفوف المعارضة، يمارسون الإبعاد والخطف والقتل على أساس الهوية، في حين يحبس النظام معارضيه ويُعذب ويقتل دون اعتبار لهويّة المستهدف.
وفي اليقين أن متدخلّي الخارج لا يجهلون هذه الأمور التي استُحضر هنا بعضها فقط. مع ذلك، فإن هؤلاء، دولا وجماعات وأفرادًا، لم يكفّوا طيلة الشهور المنقضية عن توسيع تدخلهم بالمال والسلاح أو عن بذل مزيد من الجهود لتأجيج الاقتتال الداخلي.
من هنا تنبع الأسئلة حول دوافع هؤلاء المتدخلين. وسؤال الأسئلة هو هذا بالضبط: ما الذي يريده الذين يُغرقون المعارضة بالسلاح والمال ويدفعونها إلى التعنّت ضدّ أيّ تسوية للوضع، أيريدون الإصلاح أم دفع البلد إلى الخراب وإدامة التطاحن بين أبناء البلد الواحد حتى لا تقوم لسورية قائمة ولا يبقى لها دور؟
وليس في الظن أن هناك سؤالا حول الوضع السوري يملك ما يملكه هذا السؤال من مشروعية وأهمية وأولوية. والإجابة على هذا السؤال هي التي تؤشر إلى ما هو صائب وما هو خاطئ في المواقف التي يمكن اتخاذها إزاء الوضع وفي السلوك.
