"لقد ذاب الثلج وبان المرج"، بعد الدعوة البائسة لقطاعات معينة في وسطنا العربي لمقاطعة الانتخابات البرلمانية ولعدم اعطاء الشرعية للنظام الصهيوني، كما ادعى البعض. دعونا نقولها بصدق ومع سبق الاصرار، حتى لو كان هذا الكلام غير مقبول لدى قطاعات محسوبة على جبهة الرفض ودس الرأس في الرمل، وكأننا نعيش مع اهل الكهف في عزلة تامة عما يجري بيننا وحولنا، شئنا ام ابينا.
دولة اسرائيل حقيقة قائمة، ليست بحاجة الى اعترافنا وكسب شرعيتها منا، طالما ان دول المنظومة الدولية، بما في ذلك معظم الدول العربية تعترف بها، سواء أكان الامر علانية وجهرا ام سرا ومن خلف الكواليس والدهاليز السياسية النتنة.
البساط ولنسمه بلغتنا الواضحة (الحصيرة، القشق او القياس) الحلفاوي (من الحلفا) يسحب من تحت اقدامنا ببطء وبخطط جهنمية مدروسة طبقا لمخططات ماكرة. عرب هذه الديار الرازحون والمهجرون، داخل الوطن، وقاب قوسين عن قراهم الغالية، يصلون صباح مساء لتحقيق حق العودة والذي لا بديل عنه مهما طال الانتظار. كل ما تمسك به المقاطعون ودعاة المقاطعة يهمنا كما يهمهم، فنحن مع كافة الثوابت الوطنية العامة والتي لا جدال عليها بيننا، مهما اختلفت مواقعنا وتوجهاتنا السياسية، ولكن بين هذا الامر ومقاطعة الانتخابات، فالبون شاسع واسع، لا يمكن تفهمه ولا بشكل من الاشكال مهما تعددت الاقوال والافعال.
طبقا للمعطيات الاولية بعد هذه الجولة، يبدو ان 52% من جمهورنا العربي ادلى بصوته، أي قرابة النصف فقط. واذا كانت هذه النسبة الضئيلة قد اوصلت الى البرلمان احد عشر مندوبا من الاحزاب العربية الثلاثة، حيث افرزت النتائج عن 81% من مجموع الـ 52% قد صوتوا للاحزاب العربية، وهذا مؤشر جيد جدا، يتجانس مع دعوة الاحزاب العربية لكنس الاحزاب الصهيونية من قرانا، اللهم سوى من بقي من المستفيدين والمنتفعين والانتهازيين وهم اقلية في قرانا عامة، وفي بعض القرى التي ما زالت تغط في سبات عميق، اذا كانت نسبة الـ 52% ممن صوتوا قد اوصلت احد عشر برلمانيا للكنيست، فلو زادت النسبة الى 80% كما كان سابقا، فقد يكون بمقدور الشارع العربي ايصال ستة نواب آخرين للبرلمان، توزع على القوائم العربية الثلاث.
فكتلة سبعة عشر نائبا يكون تأثيرها على اتخاذ القرارات والتشريع اكثر بكثير من كتلة احد عشر نائبا. وستكون جسما مانعا وسدا شاهقا امام الفاشيين. في الشارع العبري يتحدثون دائما عن الاجماع الوطني (كونسنزوس)، فتتلاشى الفروق بين كافة الاحزاب، ليقفوا صفا واحدا لأجل الاجهاز على البقية الباقية من اراضينا وحتى من حضارتنا وقيمنا التي نعتز بها، ناهيك عن محاولات طمس هويتنا.
تعالوا نتذكر معا، انتخابات 92 – حيث وصل اسحاق رابين آنذاك الى 56 مقعدا مع حزب ميرتس، فجاءت الجبهة، والحزب الدمقراطي العربي (خمسة مقاعد) لتشكل جسما مانعا امام اليمين، ودون المشاركة في الحكومة فقد استطاعت تلك الكتلة من تحقيق مكاسب عدة للوسط العربي منها: زيادة الميزانيات، جسر الهوّة بين الوسطين العربي واليهودي، تخصيص الهبات والدعم وتحرير ارض المل قرب سخنين لتعود لاصحابها الشرعيين، وغير ذلك من الانجازات الاخرى.
لقد آن الاوان للاعتراف بالخطأ، وهذا ليس من المستحيلات، من كان لديه ضمير عربي حي، فان ضميره يؤنبه على طول من هذه الدعوة النشاز التي لا توزن بميزان ولا تشال بقبان، على امل ان الانتخابات القادمة ستكون دعوة صادقة عامة للمشاركة، ولن يصح الا الصحيح.
