بمحض الصدفة، قبل أن يلفت نظري أصدقاء، رأيت الإعلان التجاري الرخيص الذي يسوّق ألعابًا ويستخف بألم البشر، من انتاج شركة "سلكوم" العظيمة.. جنود احتلال اسرائيليون "لطفاء" يمرّون بسيارة الجيب العسكرية بالقرب من جدار عاديّ وحياديّ، يتفاجأون بشيءٍ يقع عليهم.. يتأهّبون بوجوه مرسومة بملامح العنف الفتّاك، قبل أن يكتشفوا أن الشيء ليس سوى طابة.. هنا يروحون يتلاطمونها مع مجهولين غير مرئيين خلف الجدار، فيما تتواصل في الخلفية أغنية بتلك المفردات التل-أبيبية التافهة. ويختتم مذيعٌ معلنًا: ما الذي نريده في نهاية المطاف سوى المتعة.
هي المتعة إذًا!.. متعة جنود جيش الاحتلال بمحاذاة جدار الفصل العنصري! نحن نعرف هذا الجدار جيدًا. نعرف أنه جدار للقهر والقمع والخنق. جدار يحاصر قرى فلسطينية بأكملها. جدار نهب ونهش أراضي وكروم زيتون وعنب ولوز وتين، وسرق أرزاق الناس. وكلّ هذا لأجل استمرار الطفيليات الاستيطانية الفاشية المتفشية كسرطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
نحن نعرف جيدًا هذا الجيش الذي قتل آلافًا من أطفال فلسطين وأهاليهم على مدار عقود طويلة قاتمة؛ خرّب حاضرهم ومستقبلهم وكبت حريّتهم وأنفاسهم. نعرف أنه جيش جرائم حرب وقتل ونهب ودمار، ولم ننسَ آخرها في غزة بعد. ولكن، بموجب سياسة شركة "سلكوم"، إنه مجرّد جيش لطفاء يلهون بالطابة.. مع أنه في العادة يلهو بالقنابل والقذائف على بيوت البشر وحواريهم.
نحن نعرف جيدًا هذا النفاق الاسرائيلي الذي لا يهمّه سوى ترفه الأناني المريض. فالفلسطيني مجرّد همّ زائد. وفي هذا الاعلان الذي نضحت به عقول ومشاعر مريضة، لا يظهر الفلسطيني بالمرّة. فليس فقط أنه بلا وجه بشريّ، بل انه غائب تمامًا، بالضّبط مثلما تغيّب مؤسسة الفاشية الاسرائيلية حقه وحضوره وانسانيته. (ليتهم يفقهون ما كتبه المفكّر اليهوديّ مارتن بوبر عن جدليّة الوجه والأخلاق، لكنهم جهلة حتى بالجانب المشرق من موروثهم هم!).
أتخيلهم، شلّة المنتجين والمخرجين والمبدعين الاستهلاكيين هؤلاء، وهم يجلسون في مكاتب وثيرة مكيّفة يتضاحكون فرحًا على ابداعهم التسويقي هذا، لكن من دون أدنى شعور إنسانيّ، أو أيّ فضولٍ بحدّه الأدنى، تجاه ما يحصل خلف هذا الجدار الذي صوّروه كخطّ تبادل حياديّ لطيف لقذف الكرة.
ولكن خلف هذا الجدار جرائم وحشية مستمرة. إستعمار مجرم. إغتيال يومي لحق شباب فلسطيني بالتحرّك والابداع والتطوّر والحلم بالمستقبل.
خلف هذا الجدار مؤسسة احتلال متوحّشة تقتل إنسانية الفلسطيني، (وتجبره على الخروج انتحاريًا أحيانًا!)، وتجد لها شركات استغلال تجارية مثل "سلكوم"، تقوم بتجميلها وتصوير ابشاعاتها على أنها "مجرّد لحظة من المتعة".
والأنكى، أن هؤلاء المنتجين العباقرة خلف الاعلان - وأتخيلهم شبانا وشابات اسرائيليين برجوازيين أنيقين "عَ الموضة" - يظنون أنفسهم إنسانيين لأنهم يصوّرون حالة افتراضية من اللهو بين جنود وشبان فلسطينيين. يتوهمون أنهم ثوريون راديكاليّون بمثل هذا الانتاج! وينك يا رفيق أرنستو؟!
هنا لبّ المشكلة. فتلك الشرائح البرجوازية التي تتوهّم نفسها إنسانية (ومحمّله الله اللي خلق الفلسطيني جْميله!) في هذا المجتمع الاسرائيلي الحربي الدمويّ، منقطعة تمامًا عن همّ وألم الوجه الفلسطيني القابع تحت جهاز الاحتلال العسكري؛ الجهاز الذي خدمته ضمن سنوات تأدية "واجبها العسكريّ"، قبل أن تمتهن الـ "تكشورت". وهذا ما يجعلها تنتج مثل هذه الاعلانات عديمة الانسانية والحسّ والذوق.
إن شركة "سلكوم" تربح الملايين من جيوب العرب، كي تموّل وتُخرج وتُنتج مثل هذا الزبالة.
ماذا سيُقال بعد.. يجب القيام بفعل احتجاجي يجعل "سلكوم"، وشبيهاتها، تتألم حيث تشعر. في جَيبها. وميزانيتها. فلتذهب الى الجحيم! آن الأوان كي يتعلّم منافقو المركز التجاري الاسرائيلي أن عليهم احترام مشاعر العرب وكرامتهم! ومنعًا للالتباس: لا أعتقد أن "أورانج" و "بلفون" وجميع الشركات العملاقة أرقى، فكلها شركات استهلاك واستغلال بنفس القدر المنحطّ. والآن، بما أن "سلكوم" هي التي تنتج هذا الخَراء الاستهلاكي، وتبرّر سياستها الحقيرة بالكلام المنمّق، فلنردّ عليها بضرب أرباحها، حتى تعتبر هي وغيرها.
نحن العرب في وطننا هنا، نعيش داخل غابة مليئة بعديمي الأخلاق. أصلا، ماذا تتوقعون ممّن نهب بلاد شعب بأكمله؟! إنه واقع مصائبيّ وجدنا أنفسنا فيه بحكم ظروف التاريخ. ولكن من غير المعقول أن نظلّ نأكل الخراء وأن ندفع ثمن الوجبة (مع بقشيش) في الوقت نفسه. كفى!
ولتكن هذه التجربة بادئة لممارسة احتجاجية اقتصادية تصيب طَرْش الرأسمالية الاسرائيلية في العضو الوحيد الذي تحسّ فيه: أرباحها.
// ملاحظة
في آخر لحظة، عُلم أن شركة "سلكوم" قرّرت إزاحة اعلانها المتبلّد. السبب المُعلن: الغضب الذي أبداه قطاع لا بأس به من الجمهور (السبب الحقيقي: خوفها على أرباحها). فكّرت أنه لربما يجب التنازل عن نشر المقال بالتالي، لكني وجدتُ أنه لا بأس في نشره، كونه، إمعانًا في التأكيد، يدعو بالضّبط الى ما حدث. بلغة السينما تسمّى هذه: نهاية سعيدة.. لكن المعارك مستمرّة بالطبع، فنحن لا نزال في إسرائيل! لعلّه خير..
