بشكل درامي مثير فجّرت حكومة نتنياهو اليمينية يوم الاربعاء من الاسبوع الماضي قنبلة هائلة الضجيج في منطقة حبلى بالمخاطر الجدية ومشحونة بتوترات لا تبعث على التفاؤل.
والقنبلة الاعلامية – السياسية التي فجرتها حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك وهللت لها مختلف وسائل الاعلام الاسرائيلي المجندة في خدمة سياسة السلطة، وبشكل تحريضي منقطع النظير ومبالغ فيه، قنبلة مدلولها ان اسرائيل، ومن خلال اجهزة مخابراتها، قد حققت نصرا عسكريا بالاستيلاء على سفينة تحمل اطنانا من العتاد العسكري المتنوع، من صواريخ بعيدة المدى ورصاص وكلاشينكوفات وغيرها، كانت متوجهة من ايران الى سوريا، الى ميناء اللاذقية، ومنها لايصال السلاح الى حزب الله اللبناني! وقد عرضت اسرائيل صورا للاسلحة عبر شاشات التلفزيون ومختلف وسائل الاعلام الاسرائيلية!! والسؤال الذي يطرح نفسه متعدد التساؤلات. ما هو مدى صحة ان السفينة الايرانية التي رصدتها المخابرات الاسرائيلية منذ خروجها من ميناء "بندر عباس" الايراني وعبرت قناة السويس وميناء "دمياط" المصري حيث نقلت حمولتها على سفينة قبرصية المانية، مدى صحة ان حمولة السلاح ايرانية وانها موجهة لدعم الطاقة العسكرية لسوريا وحزب الله في مواجهة اسرائيل! والتساؤل الثاني، ان القوات البحرية والجوية الاسرائيلية احتجزت السفينة المحملة بالاسلحة في المياه الدولية على بعد مئة وثمانين كم عن الشواطئ الاسرائيلية وجرتها الى ميناء اشدود والسؤال هو هل اسرائيل فوق القانون الدولي حول الملاحة لتمارس القرصنة العدوانية والاستناد على الاتفاق الذي تم بين وزيرة خارجية ادارة بوش كوندوليزا رايس وبين تسيبي ليفني وزيرة خارجية اسرائيل بعد حرب "الرصاص المصبوب" العدوانية على غزة، هذا الاتفاق الذي يتيح لاسرائيل هتك عرض المياه الدولية في البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر ومياه الخليج وغيرها بحجة محاربة تهريب الاسلحة الى سوريا وحزب الله وحماس. وتساؤل آخر، هل هو وليد الصدفة ان يجري الاستيلاء على سفينة الاسلحة في نفس الوقت الذي بدأت فيه الجمعية العمومية للامم المتحدة النقاش لنقل تقرير لجنة غولدستون الى مجلس الامن الذي يتهم اسرائيل بارتكاب جرائم حرب، جرائم ضد الانسانية في المناطق المحتلة، وخاصة في قطاع غزة!!!
** مؤشرات لها مدلولاتها:
إن مجرد الاعلان عن "ضبط" سفينة الاسلحة الايرانية – المزعومة، وبدون الدخول في مدى مصداقية او عدم مصداقية الرواية الاسرائيلية، مجرد هذا الاعلان يعكس حقيقة عدم الامن والاستقرار وان التوتر الذي ينذر باندلاع اللهيب لا يزال سيد الموقف في المنطقة. اما بالنسبة للموقف من الرواية الاسرائيلية ومدى مصداقيتها فيبرز العديد من المؤشرات التي لها مدلولات حريّة ان تؤخذ بالاعتبار واهمها ما يلي:
* أولا: إن الكشف عن سفينة الاسلحة واتهام ايران شحنها بالاسلحة الى حزب الله جاء بعد اقل من اسبوع من ادعاء رئيس مخابرات الشاباك في لجنة الامن والخارجية البرلمانية ان لدى حماس صواريخ ايرانية يصل مداها الى تل ابيب وانه جرت تجربة هذا الصاروخ في البحر، وبعد هذا التصريح بيوم خرجت الصحف ووسائل الاعلام الاسرائيلية بحملة تحريض حربجية تحذر من ان لدى حماس صواريخ تهدد حياة وامن ثلاثة ملايين اسرائيلي في منطقتي النقب واشكلون ومنطقة تل ابيب! كما هولت لقصف اسرائيلي في لبنان، دمر حسب الادعاء الاسرائيلي مخازن اسلحة لحزب الله جاءت من ايران وبشكل يناقض قرار الامم المتحدة رقم (1701) كما تصاعد التحريض الاسرائيلي على سوريا واتهامها بتزويد حزب الله بالسلاح الايراني وفتح حدودها لعبور المقاومين الى العراق لمواجهة المحتل الامريكي وعملائه. وكل هذه الممارسات الاسرائيلية تستهدف اخراج اسرائيل من دائرة الازمة والعزلة الدولية من جراء جرائمها الوحشية ضد الشعب العربي الفلسطيني، وخاصة مواجهة الادانات الصارخة لما يتضمنه تقرير لجنة غولدستون الاممية من جرائم ضد الانسانية ارتكبها المحتل الاسرائيلي في قطاع غزة. والسؤال الذي يسأل، هل تندرج دراما سفينة الاسلحة هذه، في هذا السياق؟ في تصريح لهما مساء الاربعاء (4-11-2009) كذب وزيرا خارجية كل من ايران وسوريا ان تكون سفينة "فرانكوب" تحمل اسلحة ايرانية، وانه لا اساس من الصحة للرواية الاسرائيلية. فحسب تحمل ما اكده وزير الخارجية السوري وليد المعلم "انه لأسفنا يوجد قراصنة مهنيون يضعون العوائق في طريق مرور البضائع بين ايران وسوريا، فلم تحمل السفينة اسلحة ايرانية الى سوريا او أي مواد لصنع الاسلحة بل بضائع تجارية". اما وزير الخارجية الايراني "منوشهر" فأكد ان التقرير الاسرائيلي كاذب لان "السفينة من ايران الى سوريا كانت محملة بالبضائع وليس بالاسلحة"!
وفيما يضع مصداقية الرواية الاسرائيلية في ميزان الشك بعدم صدقيتها ان السفينة الايرانية في ميناء "دمياط" المصري قد جرى "تغيير ملابسها" ونقل محتوياتها الى سفينة اخرى وتزويدها بطاقم قيادة ومرافق للسفينة من بولونيين وغيرهم دون ان يكون بينهم أي ايراني او سوري! واذرع المخابرات الاسرائيلية التي رافقت السفينة من بندر عباس الايراني مرورا بقناة السويس وميناء دمياط لم تكن مهمتها مجرد مراقبة واستكشاف. من يستطيع اثبات انه في دمياط لم يجر ادخال الاسلحة الى السفينة وتغيير الطاقم المرافق الذي اطلق سراح افراده بعد انهاء عملية القرصنة وافراغ الشحنة في ميناء اشدود الاسرائيلي.
* ثانيا: ان حكومة نتنياهو اليمينية تنشط لاستثمار سفينة الاسلحة كسلاح دبلوماسي وسياسي في مواجهة تقرير لجنة تقصي الحقائق برئاسة غولدستون وبهدف التهرب من المعاقبة على جرائم الحرب التي ارتكبت في قطاع غزة. ولهذا ليس صدفة ان يجري الكشف عن سفينة الاسلحة في نفس الوقت الذي تبحث فيه الجمعية العمومية للامم المتحدة تقرير غولدستون ونقله الى مجلس الامن ومحكمة لاهاي الجنائية الدولية. المحرر في صحيفة "يديعوت احرونوت" اليكس فيشمان يكتب في الخامس من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الحالي تحت عنوان "نجاح عسكري وتحدٍّ سياسي" يكتب "أي توقيت رائع هذا في هذه الساعات الحقيقية، فعندما يدور في الجمعية العمومية للامم المتحدة نقاش حول نقل تقرير غولدستون الى مجلس الامن الدولي، فان اسرائيل تضع على طاولة هذه الجمعية ليس مجرد "مسدس دخاني" انما مسدس رصاص حي اخذ رأسا من ساحة الجريمة. اسرائيل تؤكد على اختراق قرارين اتخذهما مجلس الامن – (1701) و (1747). خرق منع تسلح حزب الله في جنوب لبنان وخرق قرار منع تجارة السلاح مع ايران"!!
اما رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو فقد اعتبر سفينة الاسلحة بمثابة "جريمة حرب ضد اسرائيل"! وفي حديث له مع مقربيه ادعى انه سيطرح امام اصدقاء اسرائيل في العالم حقيقة الصورة المشوّهة "فمن جهة ترسل ايران الاسلحة الى اوكار الشر من الارهابيين لقتل مواطنينا، ومن ناحية ثانية فان تقرير غولدستون يوجه اصبع الاتهام الى اسرائيل"!! وزير الامن ايهود براك الملاحق بتهم ارتكاب جرائم الحرب يصرح "تحاول ايران بواسطة رسلها – حزب الله، حماس وتنظيمات ارهابية اخرى ان تمس قلب السكان المدنيين في اسرائيل. ومن منطلق معرفتنا بالساحة ستكون هنالك محاولات اخرى وعلينا توظيف وسائل لافشالها"!! ولم يتخلف عن الركب التضليلي المنهجي وزير الخارجية المأفون افيغدور ليبرمان اذ صرح "ان هذا النشاط لمنظمات الارهاب يؤكد اكثر من أي شيء آخرعلى اهمية الردع الاسرائيلي". اما بيان وزارة الخارجية الاسرائيلي فيؤكد ان الامساك بالسفينة جاء في توقيت ممتاز من ناحية اسرائيل. ففي اليوم الذي بدأت فيه الجمعية العمومية للامم المتحدة البحث حول تقرير غولدستون فان وزارة الخارجية امرت جميع الممثليات الدبلوماسية نشر وتوزيع كل المعلومات على وسائل الاعلام العالمية. وحسب اقوال يغآل كسبي نائب مدير عام قسم الدعاية في وزارة الخارجية "لا شك ان هذا يساعدنا في الشرح لتلك الدول بان الحياة اكثر تعقيدا من غولدستون، التي صورها بأسود وابيض. فهذا يكشف انه توجد دول ارهاب تستغل سفنا ساذجة لتهريب الاسلحة. وهذا يحدث طيلة الوقت، نوزع الصور في كل انحاء العالم وعلى الناس عندها استخلاص النتائج"!!
* ثالثا: ان توقيت "الهوزعة" التحريضية حول سفينة الاسلحة هذه، يستهدف فيما يستهدف التحريض على ايران ومحاولة عرقلة التقدم في بلورة تفاهم بين ايران والدول الخمس دائمة العضوية زائد المانيا حول برنامج ايران النووي. التحريض بان ايران مصدر التوتر والمخاطر في المنطقة، وكأنه لا يوجد احتلال اسرائيلي للمناطق الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة الذي الّف ويؤلف المصدر الاساسي للتوتر والصراع ولجميع المآسي والحروب وسباق التسلح في المنطقة.
ان الضباب مهما كانت كثافته لا يستطيع ابدا حجب نور الشمس. وبغض النظر عن الهوية الحقيقية لسفينة الاسلحة واهدافها الحقيقية، بغض النظر حتى ان اردنا تصديق الرواية الاسرائيلية، فان ذلك لا علاقة له بتقرير غولدستون والجرائم التي ارتكبها المجرمون الاسرائيليون في قطاع غزة. فحرب "الرصاص المصبوب" العدوانية لم تكن ابدا حربا ضد الارهاب، بل ضد الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة، ضد الاطفال والنساء والشباب والشيوخ والبنية التحتية المدنية التي دمرها اعداء الانسانية في حرب التدمير الاسرائيلية. المجرم الاسرائيلي يحاول ان "يمزط بريشه" من عقاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني من خلال افراغ تقرير غولدستون من مضمونه، يحاول عن طريق تجنيد الحليف الاستراتيجي الامريكي والاوروبي والمنظمة الصهيونية العالمية التأثير على قرار الجمعية العمومية بشكل لا يدين جرائم اسرائيل ولا ينقل التقرير الى مجلس الامن ومحكمة لاهاي الدولية لينال المجرم الاسرائيلي العقاب الذي يستحقه.
ما نأمله ان تصمد الكتلة العربية والاسلامية ودول عدم الانحياز وغيرها في وجه مكابس الضغط الامريكية – الاوروبية – الاسرائيلية وان تصوت الغالبية الساحقة في الجمعية العمومية لنقل التقرير الى مجلس الامن الدولي. فقضية القضايا، الحقوق الوطنية الفلسطينية المصادرة بجرائم مواصلة الاحتلال الاستيطاني الارهابي الاسرائيلي لا تزال في مركز اجندة الصراع في المنطقة. ولا يمكن التخلص من جرائم الاحتلال الاسرائيلي الا بزواله من المناطق المحتلة الفلسطينية والسورية واللبنانية وانجاز الحق الفلسطيني بالحرية والدولة والقدس والعودة.
لقد انتهت المناورات العسكرية الجوية الاسرائيلية – الامريكية غير المسبوقة من حيث ضخامتها ونوعية الاسلحة الفتاكة ومنظومات الصواريخ التي جُربت وجرى التدرب عليها. وبعد انتهاء هذه المناورات توجه بالامس، رئيس الحكومة نتنياهو وخادم سياسته الوزير براك الى واشنطن، وبالطبع هذه ليست رحلة "شم النسيم" بل التنسيق الاستراتيجي لتفعيل محراك شر جديد يكشر عن انيابه العدوانية المفترسة ضد ايران او سوريا او حزب الله وبالطبع ضد المصالح الوطنية الفلسطينية.
