كان وعد بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيليّة السابقة، وصاحب الحظّ الأوفر في تشكيل الحكومة الجديدة، أن لا يتجاوز العجز الماليّ الخمسة عشر مليار شاقل، وأنّ الاقتصاد الإسرائيليّ المحلّيّ سيشهد نموًّا كبيرا، رغم الانهيارات العارمة في الأسواق العالميّة! أمّا النتيجة فكانت مغايرة لما وهّم بيبي وأعضاء حكومته المتوهّمين؛ لقد بلغ العجز 39 مليار شاقل.
هل حقّا تفاجأوا بالنتيجة؟ أشكّ في ذلك!
إن كنّا نحن البسطاء قد توقّعنا وحذّرنا، والبروفيسور ستانلي فيشر، عميد بنك إسرائيل، توقّع وحذّر من ذلك؛ فكيف سنصدّق اعتراء الحكومة حالة من الذهول؟ وكيف سنصدّق الدهشة التي انتابت الدكتور شطاينتش، وزير الماليّة، والاقتصاديّ بيبي، رئيس الحكومة؟!
ما زال نتنياهو يمعن في الكذب والخداع، رغم إعلان وزارة الماليّة حجم العجز الضخم...
لا يستطيع بيبي إلاّ أن يكذب، في غمرة المعركة الانتخابيّة للكنيست ليوهم الإسرائيليّين: أنّهم فوق الأزمة الاقتصاديّة، لأنّ "الفذّ" والقويّ نتنياهو سيقضي عليها وهي في المهد، وبالضربة القاضيّة (إسرائيل قويّة بحاجة إلى قيادة قويّة)! بدون تأميم واشتراكيّة، وبدون عدل اجتماعيّ، وبدون تقليص في الميزانيّات، وبدون رفع نسبة الضرائب، وبدون إلغاء الإعفاءات الضريبيّة، وبدون فرض ضرائب جديدة، وبدون رفع الأسعار، وبدون أن تمسّ درجة الائتمانيّة، وبدون تهريب للأرصدة الماليّة وهروب للاستثمارات!
لا شكّ في أنّ الأزمة ستمسّ كافّة المواطنين في إسرائيل، لكن حلّها سيكون على حساب الطبقتَين المتوسّطة والفقيرة؛ فالجماهير العربيّة ستعاني أكثر من غيرها من الضربات الاقتصاديّة المتوقّعة؛ لأنّها تتحمّل العبء الأكبر لهاتين الطبقتين، بالإضافة إلى نير الاضطهاد القوميّ؛ فهي ستستقرّ في النوء تحت خطّ الفقر!
المشكلة في إسرائيل ليست الأزمة؛ بل عدم تمييز الأغلبيّة بين الضائقة والبحبوحة، وبين القمح والزؤان! لا تستطيع القيادة الصهيونيّة أن تميّز بين نبات ضارّ وبين نبات نافع!
يعرف كلّ مبتدئ في علم الاقتصاد أن حلّ الأزمة جائز وممكن، لأنّ الأزمة ليست قدرًا من السماء لا نستطيع التدخّل فيه، بل هي نتيجة لسياسة بشريّة متّبعة... وحلّها يتطلّب خفض المصروفات وزيادة المدخولات وعدلا اجتماعيّا؛ بناء على هذه البديهيّة، يمكن التخلّص من العجز والانتقال إلى النموّ.
هذا الحلّ لا يأتي بزيادة المصروفات، إذا ما ارتفعت ميزانيّة الدولة بـِ 138 مليار شاقل خلال الخمس سنوات القادمة،كما تتشدّق وتتفلسف شيلي يحيموفتش، زعيمة حزب العمل، الطامحة في تغيير نتنياهو. أليس هذا كلاما فارغا؟!
لا يمكن لإسرائيل الاحتلال والتوسّع والجدار والضمّ والاستيطان والتهديد والوعيد...المعتدية والعدوانيّة أن تكون على هذا الحال، وأن تقلّص في ميزانيّة وزارات الأذرع الأمنيّة، التي تلتهم الجزء الأكبر من الصرف، كما لا يمكن لحكومة اليمين الفاشيّ أن تقلّص العجز في الميزانيّة، وهي ترضخ، عن حبّ ورضا، لابتزاز المستوطنين والحركات الدينيّة وتقدّم لهم الرُشى بسخاء!
لا تستطيع الأحزاب الصهيونيّة خادمة رأس المال، التي ستشكّل الحكومة الجديدة أن تزيد المدخولات برفع نسبة الضرائب على الفئات الغنيّة والشركات التي تسيطر على الاقتصاد الإسرائيليّ؛ إذًا كيف ستزيد المدخولات؟! أمِن السياحة وجذب المستثمرين؟
مَن الذي يتجرّأ على الاقتراب من فوّهة البركان؟!
لذلك، ليس أمام حكومة الأحزاب الصهيونيّة القادمة إلاّ أن تفرض على الطبقتَين الوسطى والفقيرة حلّ الأزمة، وستتحمّل الجماهير العربيّة الوزر الأكبر منه.
هذا الواقع المأساويّ، يستدعي تشكيل إطار يهوديّ عربيّ ديمقراطيّ واسع، مبنيّ على أسس ومفاهيم جبهويّة حديثة ومتطوّرة وديناميّة، يفي متطلّبات المرحلة الصعبة القادمة، يتصدّى للدفاع عن المضطهَدين، ويسهم في ترسيخ حلّ الأزمة، ورأسها وبدايتها مستحقّات السلام، المفتاح لحلّ الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعية كافة التي نعيشها وستواجهنا.
