ليس إقتراحاً شكلياً ذاك الذي أقره مجلس الوزراء الفلسطيني يوم الثلاثاء 14/4/2009، باعتماد مصطلح " فلسطين المحتلة " كمسمى رسمي وقانوني للأراضي الفلسطينية، محلياً وعربياً ودولياً في جميع المخاطبات والمناسبات، بدلاً من مصطلحات الضفة والقطاع، وغيرها من المسميات والتعابير التقسيمية التي تبدو وكأنها مسميات جغرافية، وهي ليست كذلك، بل هي مسميات أخذت تستقر في الوجدان الشعبي كمسميات جهوية، وفي الثقافة الجماهيرية كمضمون إنفصالي وسياسي وهوية ممزقة للوطن الفلسطيني الواحد.
المصطلح الذي أقرته حكومة سلام فياض ليس إقتراحاً شكلياً باستعمال اسم بديلاً لاسم أو لأكثر، بل هو تعبير ومسمى ذو مضمون ومغزى سياسي بامتياز، ولذلك يجب الإلتزام به والتثقيف على أساسه والعمل على إدراجه وتسويقه ليستقر في الواقع الدارج، ومن ثم ترسيخه في الوجدان الجمعي للفلسطينيين أولاً والعرب ثانياً والعالم ثالثاً.
في بداية تشكل السلطة الوطنية الفلسطينية درجت وسائل الإعلام الأجنبية، اعتماداً على خطاب العدو الإسرائيلي ومفرداته وإعلامه، على استعمال تعبير " سلطة الحكم الذاتي " وكانت وسائل الإعلام الرسمية الأردنية، والعربية عموماً، تستعمل هذا المصطلح في نشراتها الإخبارية، وفي حينه استطعتُ إنتزاع قرار عبر مجلس النواب الأردني الثالث عشر ( حينما كنت عضواً فيه ) لإلزام مؤسسات الحكومة الأردنية الإعلامية في الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء ( بترا ) باستعمال مصطلح " السلطة الوطنية الفلسطينية " بديلاً ونقيضاً لما يسمى سلطة الحكم الذاتي، ومنذ ذلك الوقت لم تستعمل وسائل الإعلام عندنا هذا المصطلح التقزيمي البغيض.
وفي العديد من النقاشات العامة، كنت أصحح المتحاورين الذين يستعملون مصطلح " الضفة الغربية " بدعوتهم لاستعمال التعبير الذي أجاده نايف حواتمه " الضفة الفلسطينية " أو استعمال تعبير " فلسطين " بدلاً من الضفة الغربية، لأن تعبير الضفة الغربية يعني أن هذه المنطقة الجغرافية هي الشق الآخر من المملكة الأردنية الهاشمية، وكانت سلطات الإحتلال تبعد المناضلين الفلسطينيين من محافظات القدس، ونابلس وطولكرم إلى محافظات المملكة باعتبارهم مواطنين أردنيين، ينتقلوا من موقع جغرافي إلى موقع جغرافي آخر، تحت نفس السيادة السياسية، مع أن واقع الحال ليس كذلك، وقد اتخذ المرحوم الملك حسين قرار فك الإرتباط القانوني والإداري مع "الضفة الغربية" في 31/7/1988 لتأكيد الهوية السياسية والوطنية للفلسطينيين في وطنهم، واستجابة لقرارات المجالس الوطنية الفلسطينية وقرار القمة العربية بالتمثيل الموحد والهوية الفلسطينية، وأيضاً لإبراز الدور التمثيلي لمنظمة التحرير باعتبارها الناطقة بلسان الشعب الفلسطيني والمعبرة عن مصالحه وآماله في العودة والإستقلال والمساواة.
" فلسطين المحتلة " اسم وهوية ومحتوى وواقع، يجب أن يبقى كذلك حتى لا نتوه في دروب الوهم، وحتى لا يتكيف شعبنا الفلسطيني مع تعبير " السلطة الوطنية " وكأنها مستقلة وصاحبة قرار، وواقع الحال يؤكد عكس ذلك تماماً، ولهذا يجب التركيز على حقيقة أن فلسطين بكل مكوناتها وتفاصيلها وأجزائها، ما تزال تحت حكم الإحتلال، وأن قرارها ما يزال في قبضته وقوته وتسلطه، وبذلك يكسب الفلسطينيون عصفورين بمصطلح واحد، فهم يحفظون هويتهم واسم وطنهم فلسطين مع بقاء الوصف الملاصق وهو المحتل، كما هو في أرض الواقع المعاش، حيث عدوهم الوطني والقومي والديني والإنساني، وهو المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي.
في مؤسسات العدو الإسرائيلي العبرية يرفضون كلمة فلسطين ويرفضون استعمالها لأنها نقيض " إسرائيل " وبديلاً عنها، والدارج في إعلامهم والمسموح باستعماله لديهم تعابير " عرب إسرائيل" و " مسلمي إسرائيل " و " دروز إسرائيل " ولكنهم يرفضون استعمال تعبير " الفلسطينيون في إسرائيل " ولجنة المتابعة العليا المنتخبة من الوسط العربي الفلسطيني في " إسرائيل " يستعملون تعبير " الفلسطينيون في إسرائيل " باعتبارهم جزءاً من الشعب العربي الفلسطيني أو كما يحب أن يسميه النائب أحمد الطيبي على أنهم الضلع الثالث من المثلث الفلسطيني، إلى جانب الضلع الثاني وهم أهالي مناطق الإحتلال الثانية في " الضفة والقدس والقطاع " وأهالي الشتات والمنافي " اللاجئون " هم الضلع الأول وقاعدة المثلث الفلسطيني.
في إسرائيل يكرهون اسم فلسطين وتاريخها ومضمونها، لأن فلسطين تذكرهم بالجريمة والتزوير الذي اقترفوه بحق الشعب والأرض، وهم يسعون لطمس هويتها وتغيير معالمها والعمل على تهويدها وأسرلتها وصهينتها، ومن هنا تبرز أهمية التمسك بالاسم والهوية " فلسطين المحتلة " رسمياً وفعلياً وشعبياً.
المطلوب بعد قرار مجلس الوزراء الفلسطيني، مخاطبة الدول العربية والإسلامية والصديقة، ومخاطبة " وفا " لوكالات الأنباء المماثلة، وإقرار ذلك في مؤتمراتها ونشراتها، ومطلوب من المجلس الوطني الفلسطيني ومجلسه التشريعي، مخاطبة البرلمانات العربية والإسلامية والصديقة لتوضيح القرار والمصطلح وتعميمه، ومطلوب من وزارة الخارجية الفلسطينية مخاطبة سفاراتها لاعتماد هذا التعبير الملائم وتعميمه، فهل يفعلون؟ وهل يفلحون؟
h.faraneh@yahoo.com
