خلال اليومين الماضيين قضى ثمانية مواطنين وأصيب تسعة آخرين نتمنى لهم الشفاء العاجل، جراء اشتعال النيران في احد الأنفاق المخصصة لنقل الوقود جنوب قطاع غزة. وقد مثل هذا الحدث المحزن فاجعة بكل معنى الكلمة لكل أبناء شعبنا.
هذه الحادثة ليس الأولى ولن تكون الأخيرة كما يبدو، وبغض النظر عن الموقف المبدئي من الأنفاق وتأثيرها السلبي على حياة المواطنين إلا انه لا يمكن إغفال أهميتها في مرحلة من المراحل خاصة في ظل الحصار الظالم المفروض على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة فالحصار قاس ومؤلم وقد غدا قاهرا لم يتحمله شعبنا وبات يبحث بشتى السبل والوسائل عن أي شريان يعيد الحياة للقطاع بعد أن عانى سكانه من نقصان المواد وانعدامها من الأسواق، لكن هذه الحالة المؤلمة مثلت أيضا نافذة للاحتكار والاستغلال ووسيلة لجني الأرباح حتى لو كان ذلك على حساب حياة المواطنين.
هذا الحصار المر الذي يعاني منه كل أهلنا في القطاع يأتي كشكل من إشكال استمرارا لعدوان الإسرائيلي الظالم على شعبناـ لكنه يستمر أيضا نتيجة حالة الانقسام الضار وتعثر جهود المصالحة الوطنية، في ظل هذا الوضع المؤلم لا يحتاج المواطن في قطاع غزة لبصيرة نافذة ليكتشف أن هذا الواقع الصعب فتح شهية العديد من المنتفعين وقادهم للبحث عن طرق وأساليب تتيح لهم مليء جيوبهم على حساب أرواح المواطنين وكرامتهم الإنسانية ، فازدهرت التجارة عبر طرق وأساليب متعددة تحت حجة كسر الحصار حسبما يراه البعض لكنه بالأساس شكل وسيلة للاحتكار والسيطرة وتكريس الهيمنة وقد جاءت تجارة الأنفاق في قطاع غزة لتمثل الظاهرة الأبرز في هذا المجال حيث أغرقت ألأسواق بكافة أنواع السلع منها ما هو صالح للاستخدام الآدمي ومنها ما هو فاقد للصلاحية ناهيك عن استخدام هذه الإنفاق لتهريب المخدرات وحبوب الترامال والمنشطات الجنسية وغيرها من موبقات، وقد فرض واقع الحصار المر على عموم الناس التهافت من كل فج عميق لشراء هذه السلع بأسعار خيالية تحت وطأة الحاجة التي تدفع مواطني غزة للبحث عن كل ما يسد الرمق بغض النظر عن أي ضرر يمكن أن يلحق بها جراء ذلك ، لكن الأخطر من ذلك أن ازدهار هذا الشكل من تجارة الأنفاق التي تمثل بنظر البعض شرايين للحياة ووسيلة للربح الفاحش وانتفاخ الكروش وفرصة للاحتكار وجني الأموال للبعض الأخر مثلت أيضا للعديد من مجموعات المصالح التي انتعشت في ظل الانقسام بقرة حلوب لا يمكن الاستغناء عنها ويلاحظ أن مجموعات المصالح هذه المتحكمة بعيون وفتحات الإنفاق تلعب بين الفينة والأخرى دورا تعطيليا أمام أي مسعى لإنهاء الانقسام شعورا منها بأن ذلك سيؤدي لا محال لوقف تدفق الأموال إلي جيوبها وزبانيتها، بالإضافة إلى كل هذا وذاك فإن هذه التجارة باتت تشكل مقابر للموت زهقت في باطنها أرواح ما يزيد عن مئة من المواطنين غالبيتهم من الشباب والأطفال قضوا جميعهم في أعماقها إما وهم يحفرون الإنفاق أو انفجار المواد المنقولة عبرها كما حدث يوم الاثنين الماضي حين أدى اشتعال الحريق بنفق مخصص لنقل الوقود للاحتراق بمن فيه مما أدى إلى موت سبعة من المواطنين وجرح تسعة آخرين بالإضافة إلى موت مواطن آخر في نفس اليوم بظروف مشابهه،هكذا نلاحظ أن الفاجعة تتكرر كل يوم يظللها الاستهتار التام بحياة المواطنين وسلامتهم بل واستغلال معاناتهم من قبل أباطرة العصر وأمراء الأنفاق الباحثون عن جني مزيد من الأرباح دون أن يكلفوا أنفسهم حتى عناء توفير أي شكل من أشكال السلامة لهؤلاء الغلابة الذين يضطرهم شظف الحياة للعمل في هذه الإنفاق التي غدت مقابر للموت بدلا من أن تكون شرايين الحياة.
بالقول نختم حتى لا يستمر هذا النزف المؤلم ونستقبل الفاجعة تلو الأخرى "بات من الضروري أن نقول لمجموعات المصالح كفى بأرواح المواطنين استهتارا" ونضغط سويا في كل المحافل الشعبية من أجل توفر الإرادة السياسية الجادة نحو إنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة والعمل معا لرفع الحصار الظالم والتغلب على أثاره المؤلمة بعيدا عن الأنفاق وفواجعها بل عبر الوحدة والتلاحم.
*عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني
