الاستيطان خَلَق أزمة السكن - القدس كنموذج!

single

// بسبب سياسية التهويد التي تنتهجها سلطات الاحتلال لا يملك الفلسطينيون سوى 13% من مساحة القدس الشرقية (نحو 9 كيلومتر مربع) للبناء، وذلك بعد أن صادرت إسرائيل نحو 35% من القدس الشرقية لصالح المستوطنات، وأبقت نحو 30% منها دون أي تخطيط هيكلي ونحو 22% كأراض خضراء لا يمكن البناء فيها

// تصل نسبة البناء في حي بيت حنينا الى 70% من الدونم الواحد ويُسمَح بأن يصل البناء إلى 4 طوابق فقط، في حين تصل نسبة البناء في مستوطنة "بسجات زئيف" التي تحاذيها إلى 175% من الدونم الواحد ويُسمَح بأن يصل البناء إلى 8 طوابق.

 

//

1
معظم الميزانيات للاستيطان


في خضمّ الحديث عن أزمة السكن في البلاد وعن الحلول التي اقترحتها حكومة إسرائيل لهذه الأزمة من المفيد التطرق الى القدس والفلسطينيين فيها. واضح انني افصل، فصلاً تامًا، بين القدس الشرقية كمنطقة محتلة وبين بقية المناطق في البلاد. وعملية الربط هدفها فقط تسليط الضوء على الاستيطان في القدس وانعكاساته على ضائقة الاسكان في البلاد.
للقدس صلة كبيرة بالأزمة الراهنة، ليس بسبب ما يعانيه الفلسطينيون في القدس الشرقية من هدم  بيوت وتشريد فحسب، بل أزيد على ذلك وأدعي أيضًا أن أحد الأسباب الرئيسة لأزمة السكن داخل الخط الأخضر هو الاستيطان الإسرائيلي داخل القدس الشرقية والأراضي المحتلة. وفيما يخص القدس الشرقية بالتحديد، فإن متابعتي للمخططات الهيكلية في القدس الشرقية دلت على أن  العقد الأخير شهد تحريكًا غير مسبوق لمخططات هيكلية لإقامة مستوطنات يهودية على أراضي القدس الشرقية. وقد اشتملت هذه المخططات على مئات آلاف من الوحدات السكنية التي سُوّقت كلها للمستوطنين اليهود. وكان لهذه المخططات التأثير الكبير على سوق الشقق السكنية داخل الخط الأخضر، إذ إن المحرِّك الرئيس لهذه المخططات الاستيطانية هو وزارة الإسكان الإسرائيلية، التي موّلت كل هذه المخططات وقامت بتنفيذها وتسويقها بمبالغ طائلة اخذت من ميزانية الدولة على حساب كل المواطنين ووصلت إلى مئات ملايين الدولارات.
بمعنى آخر، بدل أن تقوم وزارة الإسكان ببناء الوحدات السكنية داخل الخط الأخضر، قامت وزارة الإسكان في العقد الأخير تحديدًا بتوجيه معظم ميزانياتها لبناء المستوطنات في القدس الشرقية من أجل تهويدها. هذا الاستيطان أثّر أيضًا على القدس الغربية، فقد سكن المستوطنات الجديدة يهود متدينون ومتزمتون غيّروا بشكل عام الحياة في مدينة القدس وأسبغوا عليها طابع التدين والتّزمت اليهودي، الأمر الذي حمل عددًا كبيرًا من العائلات اليهودية العلمانية على الهجرة إلى منطقة تل أبيب والمركز مما زاد الطلب على الشقق السكنية في هذه المناطق وساهم في ارتفاع الأسعار بشكل كبير.
هذا الاستيطان زاد من أزمة السكن في الأحياء الفلسطينية، إذ بنيت المستوطنات في القدس الشرقية بعد السيطرة على مزيد من الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي قلـّص تقليصًا كبيرًا مساحة الأرض التي كانت مخصصة لتوسع الأحياء الفلسطينية. وواضح ان نتيجة أزمة السكن في القدس الشرقية هي كنتيجتها في البلدات العربية في البلاد، والتي يمكن تلخيصها بهدم عشرات البيوت الفلسطينية سنويًا وتشريد أصحابها وملاحقتهم بأقسى الوسائل القانونية.

 

2
الديمغرافيا و"الخط الأحمر"


عمليًّا، أزمة البناء والاستيطان في القدس الشرقية ناتجة عن قرار إسرائيلي واضح بالحفاظ على أكثرية يهودية في مدينة القدس. ففي عام 1967 بلغت نسبة اليهود في القدس الغربية والشرقية معًا  76% مقابل 24% من الفلسطينيين. عندها قررت المؤسسة الإسرائيلية ان تكون النسبة الديموغرافية في القدس للمستقبل، وفي أي ظرف من الظروف، 70% من اليهود مقابل 30% من العرب كحد أقصى. واعتبرت ان هذه النسبة هي "خط أحمر" لا يجوز تجاوزها. ولكن هذا الهدف الديموغرافي لم يتحقق أمام التزايد السكاني الطبيعي لدى الفلسطينيين. إذ بلغت نسبة اليهود عام 2008 نحو 65% فقط مقابل 35% من العرب، الأمر الذي أدى إلى اتخاذ قرار إسرائيلي جديد بأن لا تتعدى نسبة الفلسطينيين في القدس في عام 2020 أكثر من 40% مقابل 60% من اليهود. وبناءً على هذا الهدف العنصري ناقشت لجنة التنظيم والبناء اللوائية في القدس مخططات البناء في القدس الشرقية، فرفضت مخططات للإسكان الفلسطيني وقبلت مخططات المستوطنات، وقررت أيضًا إيداع مخطط هيكلي جديد لمدينة القدس كلها (مخطط رقم 2020) وهو مخطط يحد بشكل كبير من توسع الأحياء الفلسطينية من جهة، ومن جهة أخرى يمهّد الطريق لبناء مستوطنات يهودية جديدة ولتوسيع المستوطنات القائمة.


3
المستوطن يبني، الفلسطيني يختنق


بسبب سياسية التهويد التي تنتهجها سلطات الاحتلال لا يملك الفلسطينيون سوى 13% من مساحة القدس الشرقية (نحو 9 كيلومتر مربع) للبناء، وذلك بعد أن صادرت إسرائيل نحو 35% من القدس الشرقية لصالح المستوطنات، وأبقت نحو 30% من القدس الشرقية دون أي تخطيط هيكلي ونحو 22% كأراض خضراء لا يمكن البناء فيها. وحتى في الأراضي المخصصة للبناء لا يستطيع المواطن الفلسطيني إصدار رخصة بناء للسكن وذلك بسبب انعدام شبكة بنى تحتية أو بسبب أمور تعجيزية تطلبها بلدية القدس كشرط لإصدار رخصة البناء. زد على ذلك أنه حتى لو كان بالإمكان إصدار رخص بناء فإن نسب البناء المتاحة في الاحياء الفلسطينية منخفضة جدًا إذا ما قارناها بنسب البناء المتاحة في المستوطنات اليهودية، وهي لا تلبي حوائج العائلات الفلسطينية. وعلى سبيل المثال، تصل نسبة البناء في حي بيت حنينا الى 70% من الدونم الواحد ويُسمَح بأن يصل البناء إلى 4 طوابق فقط، في حين تصل نسبة البناء في مستوطنة بسجات زئيف التي تحاذيها إلى 175% من الدونم الواحد ويُسمَح بأن يصل البناء إلى 8 طوابق. وفي حين لا تتعدى نسبة البناء في حي جبل المكبر نسبة %25 ولا يُسمَح فيه ببناء أكثر من طابقين، تصل نسبة البناء في مستوطنة "نوف زهاف" التي تحاذي الحي إلى 142% ويُسمَح بأن يصل البناء إلى 9 طوابق.

 

4
الاستفادة من "احتجاج الخِيام"


لا شك في أن حل ضائقة السكن التي يعانيها الفلسطينيون في القدس الشرقية يكمن في إنهاء احتلال القدس الشرقية. لكن، الى ان يتحقق ذلك، فان الحل الجزئي لهذه الضائقة هو أن تكفّ حكومة إسرائيل عن تحريك المستوطنات اليهودية وعن مصادرة أراضي الفلسطينيين وأن تقدِّم مؤسسات التنظيم والبناء كل التسهيلات الممكنة لترخيص بيوت الفلسطينيين وتوسيع أحيائهم السكنية.
لكن على عكس ذلك، فان "خطة الطوارئ" التي أعلنتها حكومة إسرائيل يوم (13) آذار من العام الجاري (2011) لتحريك الاسكان في البلاد، جاءت لتزيد من الاستيطان في القدس الشرقية. ففي شهر نيسان من العام الجاري، وبموجب "خطة الطوارئ"، قامت اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء في القدس بتعيين لجنة خاصة للعمل على الإسراع في إتمام تصديق المخططات الإسكانية شرط أن يشتمل كل مخطط على 200 وحدة سكنية على الأقل.
حينها حذّرتُ من أن اللجنة الخاصة ستكثف الاستيطان الإسرائيلي في القدس لأن المخططات التي تحتوي على 200 وحدة سكنية على الأقل هي مخططات لبناء مستوطنات إسرائيلية جديدة او لتوسيع مستوطنات موجودة في القدس وقلما تجد مخططًا يشتمل على 200 وحدة سكنية لتوسيع الأحياء الفلسطينية في القدس. وفعلا، تحقق ما كنت حذرتُ منه، ففي يوم (14) حزيران (2011)، قامت اللجنة الخاصة بتحريك مجموعة من المخططات الاستيطانية في القدس الشرقية تشتمل على نحو 4100 وحدة سكنية استيطانية جديدة، منها مخطط بناء 1600 وحدة سكنية استيطانية  في مستوطنة "رمات شلومو"، ومخطط بناء 942 وحدة سكنية استيطانية في مستوطنة "جيلو"، ومخطط بناء 625 وحدة سكنية استيطانية في مستوطنة "بسجات زئيف"، ومخطط بناء 940 وحدة سكنية استيطانية في مستوطنة "هارحوما". هذه المستوطنات أيضًا ستقام من ميزانية حكومة إسرائيل وعلى حساب الإسكان داخل الخط الأخضر، هذا إلى جانب أنها ستُدخِل إلى القدس نحو 20 ألف مستوطن سيغيّرون وجه القدس ويحملون مزيدًا من العائلات العلمانية في القدس الغربية على الهجرة إلى لواء تل أبيب والمركز لترتفع الأسعار هناك مرة أخرى.
لهذا، في رأيي، علينا كعرب وكيهود، أن نستفيد من المظاهرات الأخيرة، ومن الأجواء التي تحيطها، لمطالبة حكومة إسرائيل بوقف الاستيطان في القدس الشرقية وتحويل كل الميزانيات الكبيرة المخصصة له للإسكان داخل الخط الأخضر، الأمر الذي سيساهم مساهمة كبيرة في حل أزمة السكن في البلاد وسيخفف عن الفلسطينيين في القدس الشرقية أعباء الاحتلال.


 
(الكاتب محام. يعمل محاضرًا لقضايا التنظيم والبناء في كلية الحقوق في الجامعة العبرية بالقدس)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لمواجهة غول البطالة وانيابها التمييزية العنصرية !

featured

"الفاضي بعمل قاضي"!

featured

على بركة الله يا محمد بركة

featured

المطلب: مصالحة عملية وملموسة

featured

اللَّهُمَّ اشهَدْ!

featured

ها أنت ذا تترجل ايها الفارس

featured

لإسقاط مخططات المصادرة في النقب

featured

يا حاملي الشموع اتحدوا!