يا حاملي الشموع اتحدوا!

single

في يوم واحد، أقرت الكنيست مشروعي قرار لقوانين ستنضم قريباً إلى قائمة ما شرع في الآونة الأخيرة بهدف ملاحقة الجماهير العربية في إسرائيل والتضييق عليها والمس بشرعية وجودها وسلب حرياتها الأساسية.

فالقانون الذي يخول الجهاز القضائي في الدولة سحب مواطنة من يدان بتهمة الخيانة أو التجسس أو الإرهاب، يضيف عملياً مركباً هجيناً على فقه قانون الجنايات القائم في الدول العصرية/الحديثة وعلى ما كان قائماً وسائداً في هذا المضمار في الدولة.

لا يوجد تبرير من شأنه أن يدعم أو يسوغ إتاحة إنزال هذه العقوبة المستحدَثة بحق مواطن دولة، وواضح أن ما شرعته الكنيست ينافي ما حمته وأكدته جميع القوانين والمواثيق الدولية، هذا إضافة لما استدعته مؤخراً من تساؤلات قضية تعريف هذه المخالفات، التي وضع نصها في القانون الجنائي قبل عقود، في ظروف ومعطيات مغايرة كلياً لما آلت إليه ظروف ومعطيات عصرنا، وما أتاحه هذا العصر من وسائل معرفة وتكنولوجيا وما طرأ عليه من متغيرات سياسية.

ما يؤكده المشهد الحالي في الكنيست، وما تفرزه ممارسات من انتخبوا مشرعين، يعكس بوضوح استفحال ظاهرة استعداء الجماهير العربية في الدولة، وازدياد نفوذ القوى اليمينية العنصرية الفاشية بتسارع مقلق يقرب لحظة الصدام الكبير.

علاوة على كونها تجسيداً وانعكاساً لمناخ سائد ومتنام في المجتمع الإسرائيلي، من شأن منظومة القوانين العنصرية الجديدة أن تتحول سريعاً إلى ملزمات، على أجهزة الدولة التنفيذية والقضائية تنفيذها والعمل وفقاً لما تعرِّفه، بجور وعسف، مخالفة، على المواطن أن يدفع ثمنها الذي تمثل أحياناً كثيرة بحريته واليوم يطال مواطنته ووجوده على أرضه ووطنه. هذه المنظومة ستصبح واقعاً يأتي بالمآسي علينا جميعاً.

في مشهد آخر، وعلى ساحة وإن بدت مختلفة عمّا سبق، إلا أنها ترتبط عضوياً بما يحصل، لا بل، بنظري، كانت دائماً المفاعل الأول لتوليد كل ما هو فاسد وسام، ففي الكنيست ذاتها وفي نفس اليوم صودق على قانون "شاليط" الذي جاء ليضيق الخناق على الأسرى الفلسطينيين القابعين وراء قضبان السجون الإسرائيلية.

حجة من بادر ودعم أنهم يولدّون، من خلال هذا القمع والاضطهاد، ضغطاً على من يأسر الجندي شاليط ويهدفون إلى دفع التسريع بالإفراج عنه. حجة واهية ممجوجة وكاذبة، فأوضاع الأسرى الفلسطينيين وراء قضبان السجن مأساوية وصعبة للغاية. عن هذه الأوضاع، وعن ما تعانيه الحركة الأسيرة، وُضعت وتوضع عشرات التقارير اليومية وكلها توثق لحجم ما يعانونه من قهر وحرمان.

من أراد أن يعكس صورة واقع وردي يعيشه هؤلاء الأسرى، يختلق عملياً، أكاذيب ليغطي أهدافه الحقيقية من وراء هذه الخطوة. باعتقادي أننا لا نستطيع فصل هذه المبادرة عمّا يعتري الكنيست من حالة تقهقر مقلقة تعكس عملياً نمو التوجهات العنصرية الفاشية بشكلها العام، وهذه تبدأ ممارساتها القمعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعلى حساب مواطنيها الفلسطينيين وفي حالتنا هنا أسرى فلسطين لدى إسرائيل.

لذلك فإنني أرى في تمرير قانون "شاليط"، وإن كان استهدافه المعلن أسرى "حماس"، أراه قانوناً يستهدف جميع الأسرى الفلسطينيين وجميع الأسرى الأمنيين بما فيهم أسرى عرب (48) وغيرهم، فآلية تنفيذ القانون، وما يتيحه من تعسف وظلم، ستطال جميع من سيصنف بخانة "الأسير الأمني". إلى ذلك، أعتقد أن من أيد هذا القانون في الكنيست استهدف أيضاً إحراج القيادة الفلسطينية، التي استجابت، رغم كل المحاذير، وقررت العودة إلى طاولة المفاوضات غير المباشرة. هؤلاء أرادوا إحراج هذه القيادة وخلق أجواء من الامتعاض لدى الحركة الأسيرة، وما تمثله وتزنه في فضاء الحياة الفلسطينية السياسية العامة، وهدفهم من ذلك عرقلة عملية المفاوضات، فتصويت مندوبي الليكود وكاديما وغيرهم من مركبات الائتلاف الحكومي الإسرائيلي يأتي من باب التعجيز والإحراج ودفع القيادة الفلسطينية لتستنكف عن المفاوضات.

هنا لا يمكن إلا أن نستذكر الإعلان عن الأمر العسكري 1650 والمسمى الأمر بشأن منع "التسلل" وما نتج عنه من تهديد عشرات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية المحتلة وتحويلهم بين ليلة وضحاها إلى ضحايا مهددة بالإبعاد عن عائلاتها وأراضيها. تزامن هذا التشريع وما لحق وما سيلحق، يأتي في مسار واحد ومساق واضح وهو، كما في حالتنا الأولى، كذلك هنا يفضي بتسارع مقلق ويقرب لحظة الصدام الكبير.

لا يؤمل من قوى الظلام والظلم إلا أن تنتج ظلاماً ومعاناة، أما نحن وإن فقدنا بعضاً من مصابيحنا التي أنارت يوماً حلكة هذا الظلام وعتمته، ما زلنا نقبض على بعض الشموع والأمل.

حكمة التاريخ علمت أن الظلام وإن عم لا يعفو عن ذي بصر فالكل سيعثر ويتأذى، إلا من استعاض واستجار ببصيرته وصبره وحكمته ومسؤوليته فهو يضمن أمانه وسلامته.

علينا أن نتشبث بما تبقى من مصابيح وشموع وعلينا بما لدينا من بصر وبصيرة وحكمة ومسؤولية أن نسعى ونجد ونجند كل من يحمل مشعلاً، مصباحاً أو شمعة، لأنها إذا جمعت، نورها حتماً سيبدد الظلام.

تُظلِم إسرائيل اليوم علينا، وعلى جميع سكانها، ومن لم يكتشف هذا بعد فهي مصيبة والمصيبة أكبر إن لم نعتبر ممن كان ضحية لظلم وظلام قبلنا وأفادنا بحكمته بأن لا نكتفي بلعن الظلام وأن نوقد بدلاً عن ذلك شمعةً، فيا حاملي الشموع اتحدوا!.

قد يهمّكم أيضا..
featured

المطلوب: البناء بدل الهدم!

featured

من يذكر عاصمة داعش؟

featured

في وداع صبحي نعمة علي الصالح: نواصل طريقك- طريق المحبة العطاء

featured

عن العلمنة وثقافة بول البعير وأشياء أخرى..

featured

نحو تعليق عضوية البرلمان الإسرائيلي

featured

غبار الأيّام: البعنة الحمراء في عيون شعبنا وستبقى جوهرة