*يوم اجتمع فارس الخوري الى الجنرال غورو، قائد الحملة الفرنسية على سورية، ابلغه الجنرال غورو ان فرنسا جاءت الى سورية لحماية مسيحيي الشرق، فما كان من فارس الخوري الا ان قصد الجامع الاموي في يوم جمعة وصعد الى منبره وقال: اذا كانت فرنسا تدعي انها احتلت سورية لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فانا كمسيحي من هذا المنبر اشهد ان لا اله الا الله..*
//
يوم انطلقت التظاهرات في سورية، كنت كغالبية متتبعي القنوات الفضائية استقي معظم معلوماتي الاخبارية من قناة الجزيرة، كونها صاحبة شبكة مراسلين واسعة الانتشار، تنقل لنا الصوت والصورة على الهواء مباشرة من موقع الحدث. الا انني فوجئت لقيام الجزيرة بنقل صور الاحداث من سورية عبر لقطات كانت في غالبيتها مصورة بالهواتف النقالة، خلافا لما جرت العادة عليه من نقل مباشر عبر عدسة الكاميرا حيث الصورة واضحة نقية لا لبس في انها منقولة من مكان غير الذي تم ذكره في التقرير.
لم نكن حينها قد توقفنا بما يكفي عند مصطلحات مثل الفبركات الاعلامية او التضليل الاعلامي، ولم نكن نعرف بعد ما هو الضخ والزخم الاعلاميان، ولم نكن قد عرفنا بعد بالغرف السوداء وما يدور بداخلها، كنا لا نزال ساذجين وابرياء نصدق كل ما يقدم لنا من وجبات اخبارية على انها الحقيقة، خاصة وان التقرير يتبعه اتصال مباشر من مراسل او متظاهر يدعي انه متواجد في المكان.
بدأت المشاهد تتوالى عبر الشاشات، تتبعها التقارير ثم تحليلات الاستراتيجيين والسياسيين ليكون مسك الختام مع كبار المفكرين، وكدت اغرق في كل هذا الكم الهائل من المعلومات والاخبار، وكادت بوصلتي تتعطل ويفقد مؤشرها اتجاهه الصحيح.
وسط كل هذا الزخم من الاخبار والمشاهد كنت القي بسمعي للهتافات التي يرددها المتظاهرون فيما يُنقل على الشاشات، لان من خلال تلك الشعارات يمكن ان نعرف حقيقة تلك الثورة واهدافها، وما الذي يريده هؤلاء الثوار، ما هي مطالبهم ومع من هم وضد من. ذلك لان حقيقة الثورة تعرف من خلال هتافات ثوارها كما يعرف المكتوب من عنوانه.
بقيت على تلك الحال الى ان جاء تقرير عن احدى التظاهرات، وكان المشهد لشباب يتظاهرون في احد شوارع مدينة جبلة، كان بعضهم ملثمين الا ان هتافاتهم كانت غير ذلك، لقد كانت هتافاتهم عالية قوية، اصواتهم مسموعة بوضوح يرددون شعار ثورتهم "العلوية ع التابوت والمسيحية ع بيروت "، وما ان سمعتهم حتى اصابني الذهول مما اسمع، وما ان استوعبت ما كانوا يرددون حتى انتابني شعور من الغثيان والاشمئزاز، أمن اجل هذا قامت الثورة؟
بداية حسبتهم فتية آمنوا... حملوا من أجل قضيتهم الارواح على الاكف وخرجوا. الا ان ذلك المشهد كان بالفعل مشهودا، مشهد لا يمكنك ان تبقى بعده في حيرة من امرك. فهمت في الحال ان بوصلتي لم تفقد اتجاهها وان مؤشرها لا يزال يعمل دون ان يتأثر من كل ذلك الصخب الاعلامي. وادركت ان مهمتي في تبيان حقيقة ما يجري قد اوصلتني للفهم بان مشروع الحرب الطائفية قد فتح ابوابه.
بينما انا كذلك، خطر ببالي مشهد آخر... مشهد من زمن آخر... مشهد من سورية، كنت قد قرأت عنه ولم اشاهده عبر الشاشات لان التلفزيون لم يكن موجودا بعد، الا انه كان يلح علي ويخطر ببالي كلما تسارعت الاحداث واشتدت حدتها.
لقد كان المشهد لفارس الخوري، ولمن لا يعرف فان فارس الخوري ابن قرية الكفير في قضاء حاصبيا، عاش في دمشق وارتقى فيها الى عدة مناصب سياسية هامة. عيّنه الملك فيصل وزيرا للمالية ثم تبوأ وزارة الخارجية في عهد الاستقلال وكان مرة المندوب السوري لدى مجلس الامن. كان فارس الخوري رجلا ذا موقف ، ترأس الحكومة السورية اربع مرات وكان في وقت ما رئيس مجلس النواب. وبشهادة مذكرات من عمل معه في تلك الفترات، لقد كان وطنيا مخلصا.
ويوم اجتمع فارس الخوري الى الجنرال غورو، قائد الحملة الفرنسية على سورية، ابلغه الجنرال غورو ان فرنسا جاءت الى سورية لحماية مسيحيي الشرق، فما كان من فارس الخوري الا ان قصد الجامع الاموي في يوم جمعة وصعد الى منبره وقال: اذا كانت فرنسا تدعي انها احتلت سورية لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فانا كمسيحي من هذا المنبر اشهد ان لا اله الا الله.. فاقبل عليه مصلو الجامع الاموي وحملوه على الاكتاف وخرجوا به الى احياء دمشق القديمة في مشهد وطني تذكرته دمشق طويلا. وخرج اهالي دمشق المسيحيون يومها في مظاهرات حاشدة ملأت شوارع دمشق وهم يهتفون لا اله الا الله...
لم يكونوا يومها مسلمين ولا مسيحيين ولكن كل ابناء الوطن حينها كانوا... سوريين.
