استراحة المحارب في غزة..!

single

"إسرائيل تواجه ولأول مرة شعبا فلسطينيا موحدًا"



*المعادلة، التي افرزها الميدان، هي التي ستمد المفاوض الفلسطيني، سواء في القاهرة الآن أو بعد القاهرة، بأسباب القوة والثبات، وعدم التفريط في الحق الفلسطيني، لا سيما ان الرأي العام العالمي وفي كل القارات يتحرك بشكل غير مسبوق لنصرة القضية الفلسطينية*


بعد ان اخفق نتنياهو عسكريا وسياسيا في حربه المجنونة على غزة وعلى الشعب الفلسطيني، وقد امتطى ظهر نمر ولم يعد قادرا على النزول عنه، لهذا نراه يبحث عمّن يستطيع إنزاله عن ظهر هذا النمر، فلم يكن على "قد الحال"، وربما توفر له المساعي المصرية هذه الفرصة تجنبا لمزيد من اراقة الدماء. ولكي يظهر امام المجتمع الاسرائيلي بأنه ليس نمرا من ورق، قال انه لا يقبل التفاوض تحت النار، مع انه في الحقيقة تفاوض قبل ذلك والآن تحت النار، وتحت التهديد بالنار، لان المقاومة الفلسطينية، وبذكاء شديد، هي التي امسكت بقواعد اللعبة وتحكمت بها، وأدارت معركتها العسكرية والسياسية، ضمن هذه القواعد. فقد صنعت على الأرض موازين جدية، وردعا متبادلا.
ويكفي ان نعرف اين كانت اسرائيل من قبل وأين هي الآن. فعند قيام حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، قبل حوالي شهرين، قالت إسرائيل لعباس: إما ان تسعى للسلام معي أو مع حماس! وهذه النبرة العنجهية العالية تحطمت الآن تماما. فإسرائيل تفاوض حماس، وتفاوض الجهاد الإسلامي، وتفاوض المقاومة الفلسطينية، وسلطة الرئيس عباس تتبنى بالكامل مطالب المقاومة التي هي مطالب الشعب الفلسطيني. وأظن ان مصر، رغم كل ما يقال عن الدور المصري، تدعم وبقوة هذه المطالب. فهي كما نرى لا تريد ان تعطي حكام اسرائيل اي فرص ليتهربوا من الحقائق الجديدة التي فرضها الميدان. لهذا لم تقل مصر كلمتها النهائية بعد، لأنها تدرك الأبعاد الحقيقية لما يجري، ولعبة الامم الكبرى في هذا الموضوع.
وفي رأيي ان نتنياهو لا يملك الكثير من الخيارات، وان خياره الوحيد هو قوته الطاغية التي فشلت فشلا ذريعا، فراح يقتل وبشكل ممنهج الأطفال والنساء والشيوخ، ويدمر البيوت، ويحطم البنى التحتية. فلم يسلم من جرائمه المنكرة لا البشر، ولا الشجر، ولا الحجر. وهذه البشاعات والجرائم التي ارتكبها تبقى سجله الاسود كوصمة عار تلاحقه وتلاحق اركان حكمه إلى آخر الدنيا، والى ابد الآبدين.
وحين نقول إن غزة انتصرت وإن فلسطين انتصرت، فليست هذه عبارات إنشائية نرددها على سبيل الزهو أو الخيلاء، وإنما هو الواقع كما كان. فالمقاومة الفلسطينية التي اشتبكت مع جنوده، وجها لوجه ومن مسافة الصفر، كانت يدها هي الاعلى. فقد تجنب الجيش الإسرائيلي المواجهة عن قرب، لكن المقاومة اخترقت دفاعاته وخرجت له من تحت الارض لتضربه في عقر داره. وعمليتا صوفا وناحل عوز شاهدتان على ما أقول. كما ان المقاومة سعت للاشتباك المباشر حين خرجت الضفادع البشرية من تحت الماء، لتهاجم قاعدة زيكيم البحرية على الساحل. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على الروح القتالية العالية التي امتاز بها المقاتل الفلسطيني. وقد شاهدنا في هذه الحرب ان اسرائيل احجمت عن الاقدام عل بتر قطاع غزة ثلاث مناطق في الشمال والوسط والجنوب- كما كانت تفعل دائما. ولم ترغب في التوغل داخل أي من الجهات، ليس لأنها لا تستطيع وهي التي تملك فائض قوة كبيرا، ولكن لأنها لا تحتمل الخسائر المترتبة على مثل هذا التوغل الذي سيكلفها حتما مئات القتلى. وآلاف الجرحى، وربما عشرات الأسرى. لهذا توقف الاسرائيلي حيث توقف في انتظار "غودو" حتى ينقذه من ورطته.



*الحساسية الكامنة في العلاقة*


وهنا لا بد ان نقرأ الموقف المصري الذي لا يرغب ان تتطور الأمور إلى حافة الهاوية، لأنه وقتها سيكون لمصر موقف آخر. ولأن الوضع في مصر لا يزال حساسا، سواء على حدودها الشرقية في جبهة سيناء. او حدودها الغربية مع ليبيا، أو الحدود الجنوبية مع السودان. وهي تسعى للخروج الآمن وبأقل الخسائر من هذه الامتحانات الامنية الضاغطة. ولست اظن ان الموقف المصري مبني في الاساس على الحساسية الكامنة في العلاقة بين حماس والإخوان المسلمين. وقد أخطأت حماس مع مصر، مثلما أخطأت من قبل مع سوريا. وليس من الانصاف ان نحمّل المقاومة في غزة، وتحديدا كتائب عز الدين القسام، وزر هذه الأخطاء لان خالد مشعل وبعض المتنفذين في مكتبه السياسي هم الذين يتحمّلون وزر هذه الاخطاء والخطايا. ويجب ان يكون واضحا ان هناك فرقا بين حماس الخنادق وحماس الفنادق، ومصر تعرف حقيقة الامور جيدا مثلما نعرفها وأكثر. وليس سرا ان هناك محاور متعددة ضمن لعبة الامم هذه. فهناك محور المقاومة الذي اثبتت معركة غزة ان المقاومة الفلسطينية جزء من هذا المحور ولم تبتعد عنه. وهناك المحور القطري- التركي- الأمريكي- الإسرائيلي والسيد خالد مشعل لعب ضمن هذا المحور، وتلاعب لصالح هذا المحور. وهو المحور الإخواني المعروف. ولن يقنعنا بصدقيته هذا التباكي على غزة، ولا حتى الكلمات النارية التي أطلقها اردوغان وكانت كفقاقيع الصابون، وهذا المحور حاول ان يكون بديلا لمصر حين اجتمع في عز الحرب في باريس، لكن تمخّض الجبل فولد فأرا. وخالد مشعل لعب بشكل مقرف حين طلب من امير الكويت ان ينقل للملك السعودي رسالة وصف فيها الملك بشيخ العرب والمسلمين، في حين قام تميم بن موزة من الطرف الآخر، حين توجه إلى جدة قبيل عيد الفطر، والتقى هناك الملك السعودي وحرّضه على التدخل بالطريقة التي يريدون قائلا له: "يا سيدي ان ايران وسوريا وحزب الله حاضرون في غزة". لكن الملك السعودي له حساباته، وهو مع الإمارات محور ثالث قفز على مصر حتى تكون ضمن محوره، وليس هذا المحور بأفضل حالا من المحور القطري- التركي- الاخواني. فربما راهن محور السعودية يوما على اسرائيل ان تخدمه في صراعها مع ايران. لكن الخيبة العسكرية الإسرائيلية أفقدت إسرائيل دورها الوظيفي، وهي العاجزة عن حماية مستوطنيها وجنودها، فكيف تستطيع ان تقدم خدمات للسعودية وغيرها؟! وربما ادرك الملك السعودي هذا الامر الآن بعد الصمود الأسطوري لغزة..!
بقي ان اشير فقط في هذه العجالة الى حقيقة تأكدت من خلال معركة غزة الظافرة، ان إسرائيل تواجه ولأول مرة شعبا فلسطينيا موحدا، وقيادته الميدانية هي التي ستملي على الجميع التوجه السياسي العام في الصراع مع الاحتلال حتى يرحل هذا الاحتلال عن الأرض الفلسطينية، والعربية المحتلة. فالمعادلة، التي افرزها الميدان، هي التي ستمد المفاوض الفلسطيني، سواء في القاهرة الآن أو بعد القاهرة، بأسباب القوة والثبات، وعدم التفريط في الحق الفلسطيني، لا سيما ان الرأي العام العالمي وفي كل القارات يتحرك يشكل غير مسبوق لنصرة القضية الفلسطينية. وشكرا لأشقائنا في أمريكا اللاتينية، وأنصار الحرية والعدالة في أوروبا وفي كل مكان، وهم الآن يحاصرون المحتل الإسرائيلي، ولن يفلت هذه المرة من الحساب. وهذا الحشد الدولي المعنوي ضروري من اجل انتصار الحق في فلسطين. وقد انتظرنا هذه اللحظة منذ زمان بعيد، وإسرائيل الآن في مأزق صعب، وعلى الإسرائيليين ان يفكروا بطريقة مختلفة تجنبا لمخاطر المستقبل. فالهدنات "الإنسانية" هي فرصتهم المتبقية. ومن يدري فربما هي استراحة محارب وليس من باب التهريج او المناكفة الكلامية ان يدلي الجنرال حسين سلامي، قائد الحرس الثوري الإيراني، بتصريحه الأخير الذي قال فيه: "إن هناك أسدا رابضا في الشمال"، وهي إشارة واضحة لحزب الله والمقاومة بشكل عام...!

قد يهمّكم أيضا..
featured

شذرات من مخطوط لجمعية في كفرياسيف عملت قبل قرن ونيّف (1-2)

featured

لأننا لا نعيش في زمن النبوة

featured

أزمات لا تنهيها الانتخابات ولكل انتخابات أزماتها

featured

احتماﻻت ما بعد خروج بريطانيا من اﻹتحاد اﻷوروبي

featured

الارادة الطلابية انتصرت

featured

لينين كان حذر، منذ عام 1919، من أن "الرأسمالية سترفع ضدنا راية الحرية"!

featured

اليهودي عاشق الحياة واليهودي عاشق الموت

featured

يوم استقلالهم.. يوم مأساتنا المستمرة