*أوّل أيّار لن يغيب عن شعبنا وشعوب الأرض*
هزَّني وأثلج صدري خبر احتفال البعنة بمناسبة مرور 60 عاما على انتفاضة أيار 1958م، والتي كان لرفاقنا الأوائل من البعنة وكفرياسيف وأم الفحم والنّاصرة وغيرها دور هام في تجسيدها كمأثرة بطولية لأبناء شعبنا العربي الفلسطيني في البلاد والوطن الذي لا وطن لنا سواه، وكذلك لحزبنا كقائد مناضل وبوصلة فكرية وسياسية لهذا الشعب.
كنتُ في أيّار 1958م طفلا ولم أتأثر بالحدث ولكنني بعد أن كبرت سمعت من أهالي بلدي عن بطولات الشيوعيين من أم الفحم وعن أهالي من عرعرة الذين آووهم ليلا فرارا من الحكم العسكري، وكذلك من نقلوهم سرا إلى "كيبوتس يد حنا" ومن هناك إلى تل أبيب دون أن يقبض عليهم الحاكم العسكري، ومن عرعرة هم والد وأعمام النقابي الجبهوي جهاد محمود صالح عقل، أطال الله في أعمارهم.
وأذكر أنني عندما انتسبت للحزب رسميّا وبدأت أوزع المناشير وأشارك بنشاطات الحزب العلنية، وبينما أنا أوزع المناشير الأولى استوقفني المرحوم الحاج عبد الرازق الشيخ خليل، وقد عاش فترة من شبابه بالعمل في حيفا،وعاد مع ثلة من الشباب إلى مسقط رأسه بعد سقوط حيفا، وبقي يتكلم باللهجة المدنية الحيفاويّة حتى مماته، وممن كان يشار إليهم بالبنان في فن الدبكة الفلسطينية في عرعرة.
استوقفني وسألني قائلا: يا أستاذ مفيد هل أنت في الحزب الشيوعي فعلا؟
قلت له: نعم...
قال: أنت معلم، ويجب أن تعرف. أن الانتساب لهذا الحزب يكلف... فيها سجن وطرد من العمل وتشرد.
قلت: ماذا تقصد؟
قال: أردت أن أقول لك أن الرفيق محمد الشريدي سجن ستة أشهر على مواقفه.. وشرد ونام في بيتي بسبب مطاردات الحكم العسكري.. ورفاقه ناموا في ال 58 عند أبناء صالح أبو عقل وسجنوا بعد ذلك.
قلت: أعرف بعض هذا وأنت الآن أضفت لي جديدا... ماذا قصدت؟
قال: بالقلم العريض.. قد تتعرض للفصل وللاعتقال.. فإذا كنت لا تتحمل فاترك هذا الطريق من الآن.. وإن كنت قدها مثلهم فتابع ...
رحم الله عمي الحاج عبد الرازق الذي كان هو ووالدي وعمي عبد الله أبو حمزة من أوائل الرجال الكبار في السن الذين يحضرون اجتماعاتنا الشعبية، متحدّين الرجعية والسلطة والواقع المرير. وتابعنا الطريق.
لماذا أقول هذا الآن وأكتبه.. لأن الحقيقة والفعل لا يستطيع أي إنسان أن يمحوها بل تبقى ناصعة.
حتى الجيل الأصغر سنا له من الذكريات الباقية فالكاتبة انتصار عابد بكري من البعنة أصدرت كتابا بعنوان "كل الأقلام تكتب الآن" (1) فكتبت تحت عنوان " ... وأيّار" تقول:
"عيد العمّال الأحرار ... لم يكن عيد الفطر أو الأضحى.. لكنّه الأول من أيّار ... أدخله أبي إلى نفوسنا ليجعلنا نستشعر كدح العامل تعبه ونضاله قبل أن نصبح موظفين نجلس على المكاتب ونخدم المجتمع ... كان الكفاح والمهن بدائية الطراز قاسية التنفيذ فكل عمل استوجب جهدا وحبات العرق من جلود آبائنا الذين اعتادوا على ترك البيوت صباحا للسفر والعمل في البناء والحجارة أو النجارة والحدادة وفتح الشوارع بآليّات بدائية حتى عودتهم مساء مثقلين بالتعب"(2).
وتتابع ابنة الكادح البعني عن الأول من أيّار قائلة:
"كيف لي أن أنسى وأنا ابنة الكادح... أن أكون من أبناء الكادحين نوزع المجلات، مجلة الغد والدرب والجديد وجريدة الاتحاد، ونسير في المسيرات التظاهرية والمشاركة في الندوات الثقافية...
تحضيرات الأول من أيّار والسفر إلى كفرياسيف وأحيانا في قريتنا ومرّات في النّاصرة، أجواء عديدة فيها الصغير والكبير يتكلم بقلبه مبتهجا، أنا عن نفسي كنت أستمتع باللقاء الجماهيري وأصدقاء أبي،بالخطابات والنشيد عاش الأول من أيّار عيد العمال الأحرار"(3).
أردت من اقتطاف هذه المقاطع الجميلة للكاتبة البعناوية بالذات لأقول: إن من يزرع النضال وحب الشعب والصدق الثوري، يحصد التقدير وعدم النسيان والعرفان.
وأخيرا أعيد للأذهان ما قاله شاعرنا ورفيقنا حنّا إبراهيم في احتفال تكريم الشعراء،في باقة الغربية، في كليّة القاسمي، بجهوريّة وبوضوح لفت انتباه الجميع، وهو الشّاعر بأل التعريف، من هم الشعراء لنكرمهم؟ (وهو من المكرمين..)، التكريم للشعب هو صانع البطولات والمعجزات.. هو صانع الشعراء... ولذلك كل التكريم لشعبنا الصامد الباقي في وطنه الذي رفض الهوية الحمراء (بهدف التشريد)، وأصر على البقاء.
فصفق له الجمهور تصفيقا واضحا على الموافقة وعلى البعد الثقافي لهذا القول الذي يجب أن نعيده صبح مساء لثقافتنا ولرفاقنا ولأهلنا.
يكفي أيار فخرا أنه يعيدنا لهذا التاريخ المشرف.. والذي نعتز به ولكن هذا لا يكفي يجب صناعة تاريخ يفوقه لكي نتقدم حزبا وشعبا وشعوبا في هذا العالم الذي تمزقه الامبريالية العالمية وأصحاب رؤوس الأموال الجشعة، والقادة مهاويس الحروب والعظمة الشخصيّة، والعدوان على الشعوب المستضعفة والتغطية على المحتلين، وستبقى الجذور الحقيقية للنضال الطبقي وستنمو مهما عربد الظالمون، وكل أيار والبعنة وأم الفحم وعرعرة وعارة والناصرة وكل بلادنا وشعوب الأرض بألف خير.
//إشارات:
1- انتصار عابد بكري (2018م)، كل الأقلام تكتب الآن، إصدار خاص.
2- نفس المصدر ص32.
3- نفس المصدر ص33.
(عرعرة – المثلث )
