الفرح الإنسانيّ

single

   لا أعلم شيئاً عمّا دار في الغرف المغلقة اللاتي طبخوا فيها اتفاقيّة تبادل الأسرى، ولا أدري حقيقة الدور المصريّ والألمانيّ والتركيّ والأوروبيّ والأمريكيّ فكل نجاح له عدد كبير من المؤسسات والجهات والشخصيات ممّن يدّعون ملكيّته. ولا أعلم أيضاً السرّ المخفيّ أو المفضوح من وراء هذا التوقيت فلماذا لم تنجز الصفقة قبل سنتين مثلاً؟ ولست متأكداً بأنّ حكومة نتنياهو وافقت على اتفاقية تبادل الأسرى لتخرج من عزلتها الدوليّة ولتحارب شعبيّة أبي مازن التي تقلقها، ولست متيقناً أيضاً بأنّ قادة حماس أرادوا بهذه الاتفاقية أن يسحبوا من تحت قدمي أبي مازن بساط شعبيّته وأن يقولوا للشعب الفلسطينيّ لا شيء يجدي سوى المقاومة المسلّحة، ولا أعلم إن كانت حماس سوف تقبض ثمناً سياسياً مثل الاعتراف بها دولياً أو فكّ الحصار عن قطاع غزّة أو الرضا الأمريكيّ الذي سيشملها في فترة شهر العسل الأمريكيّ الاخوانيّ، ولن أقامر كما قامر كاتب صحفي بأنّ حماس سوف توافق على سلام فيّاض رئيساً لحكومة الوحدة الوطنيّة.
   هذه الأمور قد تكون حقيقيّة أو تسويفيّة أو ثمرة الخيال الشرقيّ وهوامش لحكايات ألف ليلة وليلة الساحرة، ولكنّ الذي شدّني في هذه الاتفاقيّة هو الفرح الإنسانيّ الغامر المتدفّق من الصدور ومن العيون ومن الوجوه: من صدور الأمهات اللائي اشتقن لاحتضان الأبناء الأسرى طيلة سنوات، ومن صدور الزوجات الطاهرات الصابرات الصامدات اللائي حننّ إلى رائحة الزوج وعرقه وذراعيه, ومن عيون الأطفال العامرة بالطهارة والطيبة والمحبة والشوق إلى قُبَل الآباء وأحضانهم وحبّهم وحنانهم.
   الفرح الراقص في تجاعيد وجوه الأمهات وفي وجنات الزوجات وفي طراوة خدود الأبناء والبنات.
   فرح الرجال الخارجين من عذاب الأسر ووحشته وظلامه إلى الفضاء والهواء والحريّة والنور.
   فرح الأسيرات الذي يقفز أمامهنّ على أوراق الورد والشجر.
   هذا الفرح ليس عربيّاً وليس يهوديّاً وليس فلسطينيّاً وليس إسرائيليّاً بل هو فرح إنسانيّ.
   هذا فرح الحريّة. وهل هناك شيء في الحياة أغلى وأهمّ من الحريّة؟
   المسؤول عن مصادرة حريّة آلاف العرب الفلسطينيين ومصادرة حريّة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط هو الاحتلال.
   لولا الاحتلال ما كانت الانتفاضة الأولى والثانية وما كانت حرب غزة وحرب لبنان الأولى وحرب لبنان الثانية.
   لولا الاحتلال ما كانت الأعمال الفدائيّة وما كان القتلى والجرحى من الفلسطينيين ومن الإسرائيليين.
   لولا الاحتلال ما كان الاستيطان ولولا الاحتلال ما كان الأسرى.
   ما أشدّ حاجة الناس في هذه البلاد، عرباً ويهوداً، للفرح الإنسانيّ.
   آن الأوان أن يدرك أبناء عمومتنا بأنّ الاحتلال هو سالب الحريّات وسارق الأفراح وناهب لقمة العيش ومكدّر الحياة لأبناء الشعبين.
   دقّت ساعة الحريّة. دقّت.. دقّت.!

قد يهمّكم أيضا..
featured

الضابط هدّد بتكسير عظام الشيوعيين..

featured

صِراع الجَبابرَة

featured

حسابات "كديما" تبقيه في المعارضة

featured

صناعة الأصوليات

featured

انتخابات إيران ووقاحة المستكبرين!

featured

محمد مرسي جريء جدًّا في العمالة والنذالة

featured

الاحتلال أصل الشرور