في هذه الأيام تعود بي الذاكرة الى ما جرى من عنجهية بوليسية في البقيعة منعا للاحتجاج على مقتل "الشبان الخمسة" الغامض على الحدود الإسرائيلية المصرية في أواسط ايلول من عام 1961 على أيدي قوّات حرس الحدود، حيث قام حزبنا الشيوعي بحركة احتجاج واسعة، شملت المظاهرات والاجتماعات الشعبية احتجاجا على هذه الجريمة النكراء.
بتوجيه من الحزب قررنا في فرع البقيعة عقد اجتماع شعبي في الساحة العامة أمام بيتي، للاحتجاج على العمل الإجرامي، يتكلم فيه الرفيق إميل توما، وكان متبَعا آنذاك أنّ الخطيب يحضر تصريح الاجتماع معه إذا كان الاجتماع العام في ساحة وخارج البيوت.
قبل موعد الاجتماع وإذ بقوات الشرطة وحرس الحدود أخذت "تتمرس" في ساحة العين التي يقع بجانبها بيتي. وبعد حوالي عشر دقائق وصل الرفاق: يوسف شحادة والمحامي محمد الحاج من كفرياسيف، وقال يوسف ان إميل توما اتصل به من حيفا وابلغه انّه لم يحصل على تصريح للسفر للبقيعة وطلب منه ـ أي من الرفيق يوسف شحادة ـ سد مكانه كخطيب في الاجتماع.
وأمام الوضع الجديد وعدم وجود تصريح للاجتماع في الساحة العامة قررنا تحويله الى داخل بيتي في الطّابق العلوي مقابل الساحة وأخذنا بدعوة الناس لحضور الاجتماع في حين قامت الشرطة بمنع الرفاق رزق سمعان وسليم جبران من إنزال مكبّر الصّوت من سيّارة يوسف شحادة لعدم وجود تصريح للاجتماع، وأكثر من ذلك قامت الشرطة باحتجازهما في سيارة الشرطة حتى نهاية الاجتماع.
لم يتوقف إرهاب الشرطة عند هذا حيث قامت أيضا بسحب اثنين من أقاربي وذهبوا بهما بسيارة الشرطة الى خارج القرية وجعلوهما يشاهدان قوة من حرس الحدود خارج البلدة، وقال لهما ضابط الشرطة، تلك الهراوات التي بحوزتهم سيكسرون بها عظام الشيوعيين. ثم طلبا مني أن ألغي الاجتماع خوفا من ( البهدلة ). طبعا أصرريت على موقفي في عقد الاجتماع واستمررنا بدعوة الأهالي، في حين قام مصوّر الشرطة بتصوير المحتشدين بغية إرهابهم ومغادرتهم للسّاحة. النتيجة كانت عكسية حوال 20 شخصا صعدوا لحضور الاجتماع في البيت وقسم بقي في الساحة متضامنين معنا متحدّين الإرهاب، وطبعا لم تخل الساحة ممن جاء للفرجة على "بهدلتنا" ولسان حالهم يقول "العين ما بتلاطم مخرزا"..
اذكر أن ضابط المهمات الخاصّة ابن إسحاق المعروف بعنصريته وحقده على العرب، وقف على شرفة احد البيوت المقابلة لبيتي، مشرفا على رجالاته الشرطيين.. المشهد الذي تحداه طيّب الذكر الرفيق يوسف شحادة بخروجه الى "بلكون" البيت، مقابل ابن إسحاق وبدأ بصوته الجهوري خطابه منددا بإرهاب الشرطة، وقتل الشبان على الحدود الغزية، وكنّا بين حين وآخر من الداخل نهتف ليسقط الإرهاب البوليسي. صوت الخطيب كان مسموعا للأهالي المحتشدين في السّاحة، وبما ان حجز مكبر الصوت لم يفد الشرطة، فما كان من الضابط ابن إسحاق إلا أن أعطى تعليماته لسائق سيّارة الشرطة الموجودة بجانب السّاحة أن يضغط على دعّاسة البنزين أكثر حتى لا يسمع النّاس صوت الشيوعيين، فبدأ موتور السيارة يجعر إلا ان الرفيق يوسف استمر في خطابه ولم تمر برهة قصيرة حتى علا الضحك في الخارج حيث اخذ الدخان يتصاعد من السّيارة وأصوات البعض تتعالى مقهقة وراح الموتور.. راح الموتور وهكذا اتبهدلت الشرطة وليس الشيوعيين. وبعد هذا الصمود والتحدي ومقاومة العين للمخرز، ورجوع الشرطة بخفي حنين أي بدون السيارة. ارتفعت معنوياتنا وازداد تأييد الأهالي واحترامهم لنا كشيوعيين..
