كان والدي رحمه الله ينصحني دائما بقوله "يا ابني قل الحق دائما ولو كان على قطع رأسك، الزيادة مثل النقصان، ما في احسن واسلم وأصح من تبني الحقائق كما هي دون تضخيمها برش البهارات وأملاح الكذب عليها، وكلمة الحق في محلها يا ابني بتسوى حصان"! واحدى مصائبنا التي يعاني منها شعبنا ان كثيرين لا يتقبلون النقد وقول كلمة الحق في تقييم اعمالهم، ويا ويلك ان انتقدت احدهم على خطأ تعتقد انه ارتكبه فعندها تتحول خصما له ويشهر السلاح لمحاربتك ويصبح الخبير في الكشف عن عوراتك ونواقصك، والناس اجناس، ونحن نفرق عند التقييم بين المزاودين من ذوي "الكذب الابيض" الذي مثل "فص الكر لا بنفع ولا بضر" وهدفه "اثبات" تحزبه او "ضلوعه" في موضوع يناقش في الديوان وحقيقة يجهل المحروس كل شيء عنه، وبين المزاودين في القضايا الوطنية والقومية التي مدلول مواقفهم كوارث بالنسبة لشعوبهم.
اذكر على سبيل المثال "نموذجا" للمزاودة و"الكذب الابيض"، فبعد عودتي من الدراسة في الاتحاد السوفييتي دعاني رفاقي في احد فروع الحزب لمشاركتهم احتفالا بمناسبة ذكرى انتصار ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى. صادف ان كان الرفيق "كارم عزيز" عائدا مع وفد من قدامى الحزب زار وطن لينين لمدة عشرة ايام. ومعروف عن هذا الشيوعي العريق طيبة القلب والتحزب الى درجة العبادة للاتحاد السوفييتي وللشيوعية، ويا ويله من لسان الرفيق كارم من يذكر الاتحاد السوفييتي ويضع نقطة ولا يرفق به "العظيم". طلب سكرتير الفرع ان يتحدث الرفيق كارم عن انطباع زيارته، من ضمن جواهره التي نطقها "الناس في موسكو الاشتراكية عايشين في سعادة الشبان والصبايا بتباوسوا في الشوارع قد ما بحبوا بعض مش مثل بوس الزعرنة والاباحية في شوارع تل ابيب الرأسمالية، المرأة متساوية مع الرجل حتى في شغل القصارة والدهان ومش بس في الجامعات والبرلمان. زرنا تعاونية "كلخوز" زراعيا الدجاج بفقس بيضة في الليل والنهار وكل بيض يا جماعة قد زقطة بطيخة من اراضي البطوف". لم يستطع "ابو عفيف" هضم البيضة، قام وقال "تختها يا رفيق، خليها بابو عبد اللطيف، اذا كانت البيضة قد زقطة البطيخ، يعني فرخة الدجاج هناك قد البقرة الهولندية، ضحك الجميع ولاقت بيضة الرفيق بنكا يصرفها.
اما في المزاودة الوطنية الرذيلة وطنيا فهي اشكال والوان، فهنالك من يبالغ في المزاودة الوطنية وابراز مدى تحزبه الوطني والقومي ومدى تفانيه في الخدمة الوطنية "بطزع الحكي" ولكنهم يتسترون بالعباءة الوطنية لاخفاء عمالتهم وخيانتهم لاعداء شعبهم وتصالح وطنهم، وهؤلاء الارذال السفلة ليسوا موضوعنا اليوم فصباحهم شؤم. وما نود التطرق اليه هم من الصنف المزاود الذي ينهرق في المزاودة الوطنية والتقييم مستبقيا تبلور المواقف النهائية وواضعا الخائن والعميل والمتواطئ والمتخاذل والوطني في خانة واحدة. فانفلونزا خلط الاوراق الوطنية بين العميل والوطني الاصيل اخطر بما لا يقاس من حيث مدلولها من انفلونزا الدجاج والخنازير فوضع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خانة واحدة مع بعض انظمة الخمة العربية واتهامه بالعمالة والخيانة الوطنية فهذه قمة التزوير والمزاودة الرخيصة. قد ننتقد الرئيس الفلسطيني على بعض ممارساته وقد نحذر من مغبة نهجه ولكن الحقيقة الساطعة كالشمس ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس لم يفرط ولم يتنازل باي وعن أي من ثوابت الحقوق الوطنية الاساسية للشعب العربي الفلسطيني، لا عن حق الدولة الفلسطينية في حدود 4 حزيران السبعة والستين ولا عن القدس الشرقية عاصمتها ولا عن حق العودة لنتهمه بالخيانة والعمالة والسحجة في صف الانظمة العربية المدجنة امريكيا. حق الرئيس الفلسطيني وم.ت.ف التكتيك والمناورة السياسية ولكن في اطار المحافظة على عدم تجاوز الخطوط الحمراء لثوابت الحقوق الوطنية التي نأمل المحافظة عليها. عندما كان احد الرفاق يزاود في نقاشه كان خالد الذكر جمال موسى سكرتير المنطقة يقاطعه قائلا "زلوطتها يا رفيق، اشفق على الحقيقة ولا تهتك عرضها... وصباح الخير لجميع انصار الحق والحقيقة.
