*أليس الاجدر بهؤلاء العلماء ان يستحضروا ويتّعظوا بما قاله الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "ثلاث يهدمن الدين: زلّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون"..*
سُئل واعظ وهو يخطب عن مسألة فأجاب: "لا أدري". فقيل له: "ليس المنبر موقع جهل". فقال: "انما علمت بقدر علمي، ولو علمت بقدر جهلي لبلغت السماء".
هذه إجابة حاسمة من واعظ يعرف معنى الوقوف على المنبر ومعنى قدسية الكلام وتأثيره في الخاشعين والمستمعين، ويعرف قيمة الكلمة حين تخرج من فم رجل دين نذر نفسه لنشر الحق والحقيقة والعدالة واصلاح العالم وابعاد الناس عن الشر. لم تكن إجابة هذا الواعظ تحمل معاني كثيرة وتشير الى فوضى في الاجابات، كما نراها هذه الايام.. إجابات دينية تأتي حسب المقاييس والعرض والطلب والدولة والحاكم ودوائر المصالح الذاتية لكل حاكم..!
فها هي البرامج الدينية اصبحت غابة كثيفة والفضائيات تحولت الى وحوش ترعى وتصطاد وتفرض على المواطن العربي واقعًا جديدًا، لاهثًا، محاصرًا، يضربونه بسياط الكلام والمواعظ والحكم والفتاوى. ثم يطلبون من المواطن ان لا يفكر ولا يختار بل يستسلم لهم فهم - أي اصحاب الفضائيات - هم من يفكرون عنه ويربطون مصيره بقدرتهم على شد هذا المواطن لهم والتأثير عليه.
تركنا الفضائيات العربية التي شوهت وحرقت، ولم تترك زاوية الا وقامت بتلويث هوائها، ودفعت الاجيال الى رفع رايات الاحاسيس المبتذلة والعيون التي لا ترى الا الاجساد الأنثوية التي تتلوى وتقفز في بحيرات الاغراء، وتسبح فوق أحلام الشباب والشابات. ولم نسمع أو نقرأ أي هجوم عن الأمير القادم من الأراضي السعودية، إبن الاسرة الحاكمة - الوليد بن طلال - الذي كان أول من شرعن ثقافة فضائيات الغناء- روتانا وشقيقاتها. بل قام باحتكار الكثير من الفنانات المطربات في العالم العربي، وقدّمهن للمواطن العربي الجائع في طبخات وصحون فاخرة من الزخرفة والالوان. وشق في طريق الغناء اسلوبًا فاضحًا يلعب بالعواطف ويحرك المشاعر، بطريقة مسيئة للمرأة ويدفع صورتها للوقوف في صفوف المومسات والبغايا، وليس في صفوف الاحترام والتقدير والعلو والسمو. في خضم كل هذا لم نسمع عن صوت قادم من المملكة السعودية او من رجل دين خليجي او عربي، يفرض الحرمان على هذا الامير أو على باقي الأمراء الذين طالما نسمع عن فضائحهم الجنسية والنسوية والمالية في الدول الغربية. لقد اقتصرت ملاحقة "شرطة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر" في السعودية على ملاحقة النساء اللواتي يحاولن قيادة السيارات، أو على النساء اللواتي يقلن رأيهن بصراحة في القوانين التي تهين الانسان، خاصة تلك المتعلقة بالعمال الاجانب والخدم القادمين من دول شرق آسيا الى السعودية أو في دول الخليج. هؤلاء الذين يعامَلون أسوأ معاملة، من ضرب وحرق وسجن وتجويع وسلب رواتبهم، عدا عن مستوى الاماكن التي ينامون فيها، والتي هي أشبه بزرائب الحيوانات.
لم نسمع من رجال الدين في السعودية ودول الخليج من يقف ويدافع عن هؤلاء العمال الغرباء ويتكلم عن الرحمة والرأفة بهم، بل تمر أخبار تعذيبهم كأنهم في دول بعيدة ، وكأن الانسانية تتجزأ في مواعظها وعباراتها.
الازمات الصعبة والمعرقلة للتطور، التي تحيق بالأمة العربية، تدفع بعض رجال الدين لإصدار الفتاوى، مع اعترافنا أن هناك تقاعسا من بعض رجال الدين هنا وهناك في كثير من القضايا المصيرية للأمة. بل هناك من يحاول طمسها وتجاهلها ، لكن في الازمة السورية تتراكم الفتاوى أمامنا فنسمع يوميًا عن فتاوى جديدة ، غريبة عن روح العصر ولا تلائم الواقع الذي نعيش فيه. فتاوى نشعر بها كأنها مجموعة من الخيوط انقطعت tتراكمت العقَد أمامنا نتعرقل بها، ولا نعرف كيف نفسرها من "جهاد النكاح" الى فتاوى "واجب الجهاد والقتال في سوريا" وما يواكبها من تناقضات في التعريفات والمفاهيم، وكيف يمكن أن تتحول الفتاوى الى كلام غير واضح وتناقض بين الذين يسمون أنفسهم علماء.
في احدى الفضائيات - فضائية "الجديد" وفي برنامج "للنشر"- جرى نقاش بمشاركة عالم دين من علماء الازهر وعالم دين سعودي وعالم دين من اصل هندي يعيش في لندن. وتمحور النقاش حول موضوع الجهاد، فأيده العالم الهندي بصورة دموية مع لف ودوران في النقاش. مع العلم أن هذا الهندي، يقطن في لندن، بعيدًا عن وطنه وفي أجواء ديمقراطية وقوانين تحترم حياة الانسان، ولم يذق مرارة التهجير والحصار والتفجير. نعم، هذا العالم كان يشد على ايدي الجهاديين ويدعوهم للتوجه الى سوريا. بل اعلن انه مستعد لتوفير المال والمساعدات لهؤلاء الجهاديين. أما شيخ الازهر فقد قام بتكفير الجهاديين، مؤكدا ان "الجهاد لا يعني رفع سلاح المسلم في وجه اخيه المسلم بل فرض لمقاتلة العدو". وجاء العالم السعودي فتكلم عن موضوع الجهاد بحذر، خائفًا - على ما يبدو - من غضب أولياء أمره في المملكة، ولم يقدم ردًا مقنعًا واكتفى بالهمهمة والتأتأة..!
هؤلاء العلماء الثلاثة هم جزء من علماء الأمة وصورة واضحة لما يجري في عالم الفتاوى وكيف يدور علماء الدين في شباك الحَيرة والتردد. في ذات الوقت هناك من يتعذب ويقتل والدم يتفجر وبيوت وبيئة تحتية تنسف ومصانع تتوقف وشعوب ترحل وتهاجر وتتوقف حياتها. نريد تفسيرًا حقيقيًا ومقنعًا وليس دورانًا في الدوائر التي تحولت الى مربعات، وكل وجه محشور في مربع خاص به وبدولته.
ترى أليس الاجدر بهؤلاء العلماء ان يستحضروا ويتّعظوا بما قاله الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "ثلاث يهدمن الدين: زلّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون".. افتحوا الفضائيات واسمعوا...!!
