(تواقيع على الرمل) كتابٌ وثائقي بقلم باحث ثقة اسمه حاتم عيد خوري. كتاب يتسم بالصدق والشفافية.. في سطوره يقرأ أبناء طائفته الملكية الكاثوليكية وسائر طوائف شعبنا حكاية العلمانيين الذين حاولوا حماية أبرشيتهم من خلال هبّة مباركة معتمرين المنطق والصدق والشجاعة مرنمين ومرددين قانون إيمان تعلموه في رحاب متى الإنجيلي البشير: "فلا تخافوهم.. فانه ليس من محجوب إلا سيُكشف، ولا مكتوم إلا سيُعلم. وما أقوله لكم في الظلمة قولوه في النور وما تسمعونه همسًا في الأذن نادوا به على السطوح". هذه الهداية أو بالأحرى هذا الشموخ الإنساني الأخلاقي رضعنا حليبه واستعذبناه في مدرسة معلمنا ومخلصنا الجليلي الجليل الذي بدَّد الظلام في حياتنا بوهج أنوار إنسانيته وعبق محبته.
إن هبّة الدكتور حاتم مع صحبه لم تأتِ بالتغيير المنشود لكنها شخصت وبصدق الداء وأشارت إلى الدواء.. فما كان يُمارس سرًّا في الغرف المغلقة والدهاليز المعتمة مزّق راية الاستقامة التي انضوت تحتها أبرشيتنا الجليلية.
يتزامن صدور هذا الكتاب مع حقبة تاريخية مفصلية في واقع حياتنا نحن المسيحيين العرب في هذا المشرق العربي. لقد اعتدنا في هذا الشرق على معاناة فيها رفض لوجودنا وتكفيرنا وتخويننا. في أيامنا هذه تُغير علينا صقور تنظيمات ظلامية ظالمة من عرب وغير عرب مستهدفة نهشنا وطمسنا تاريخيًا وهوية. ليس بغريب ان يعمل العنصريون على قتلنا أو تهجيرنا.. لكن الغريب العجيب ان يكون تهجيرنا على أيدي اكليروس وعلمانيين وصوليين متنفذين يعيثون فسادًا في أوقافنا ومؤسساتنا!
إن وعود رجالات الكنيسة لكاتبنا ولزملائه في الجمعية كانت وعودًا عرقوبية ومن ضرب المماطلات.. ان وعودهم وتعهداتهم باعتماد الشفافية وانتهاج الإصلاح كانت بمجملها كلامًا منقوشًا على المياه وسطورًا متناثرة متطايرة كأنها رمال تتقاذفها الرياح.
يتحقق ما ينشده أبناء أبرشية الجليل يوم نتبنى صلاحًا يكون سلاحنا في وجه الفاسدين العابثين، لتصبح أبرشيتنا بيت امن وإيمان وأمان لأبنائنا المؤمنين الأوفياء الذين يرون في بيع الأوقاف وتراكم الديون بقعًا سوداء تطمس أنوار تطويبات مخلصنا وأركان إيماننا. ان المماطلات والوعود الكاذبة تفرز هجرة المصداقية وعند غياب هذه تتحول هجرتنا إلى تهجير ممنهج لعين.. مماطلات يلتحف بسوءاتها المسؤولون في أبرشيتنا.. ان هذا لعمري نهج تهجير يُسهل على أعدائنا اقتلاع كنيسة البشر لتبقى كنيسة حجر متهاوية متهالكة.. إن تهجيرنا هذا يُحقّق أحلام أعدائنا في سلخنا عن مسيحيتنا أولا وسلخنا عن عروبتنا ثانيًا.
عندما يتزعزع انتماؤنا الروحي يسهل على كارهينا تهجيرنا وفي هذا السياق لا أرى فرقًا بين مسؤول أبرشي يعتمر الفساد وظالم شوفيني عنصري تنساب في عروقه دماء الكفر والتكفير.
ما أحوجنا في هذا الزمن الأسود ان نتحلّق حول الخير متماسكين رجال دين وعلمانيين لإجراء إصلاحات في مؤسساتنا الدينية والدنيوية.
ارجو ان يعتمد مطراننا الجديد المتروبوليت جورج بقعوني كلي الوقار ومعه كهنته الأجلاء ما ورد على صفحات وبين سطور كتاب حاتم خوري، أخي النجيب الذي لم تنجبه أمي. في الكتاب معركة وصحوة.. معركة ضد الفساد وصحوة تستنهض العباد.
