*يترتب على المرء الذي يستطيع الى ذلك سبيلا، ان يكون واعيًا يزرع لسنة ويواكب الزرع ايضا لسنين وينهج نهج التربية والاهتمام للاجيال تربية النشء للارتشاف من مناهل العلم والادب والاخلاقيات الانسانية*
كثيرة هي المقولات التي تتردد من يوم لآخر، ومتنوعة جدا هذه المقولات، وتطرق تقريبا عدة مواضيع تكاد تكون شاملة لكل الظروف والمواقف الاجتماعية،وهذه المقولات كانت ولا تزال في نظري موجِّها للمرء في حياته، اذا سمعها واذا تمشى بموجبها او اذا جعلها هدفا لتحسين ظروفه، احواله او لتغيير نهجه الاجتماعي.
وحقا كثيرون من بني البشر الذين استخلصوا العبر من تجاربهم ومن تعاملهم في هذه الحياة من علو وانحدار، من نجاح وفشل، من مد وجزر الى ان تيقنوا ان الغالبية الساحقة من الامثال والمقولات التي يرددها الناس في مناسباتهم وفي لقاءاتهم، حقا تستند وبدون شك الى وقائع قد حصلت في الماضي واصبحت مضرب المثل ليعي الخلف عن السلف ويتّعظ هذا الخلف من سلفه، كل هذه من المعقول ان تكون في مصلحة الفرد والاسرة وربما المجتمع.
وتحضرني في هذه السطور مقولة في نظري صحيحة وتشكل موجها حقيقيا للمرء في نمط حياته وهي كالآتي: من يزرع قمحا او محصولا سنويا فهو يهتم ويركز اهتمامه لفترة سنة، هذا صحيح لأن المنتج الذي يُجنى في نهاية العام يكون حصيلة تعب خلال سنة كاملة، ويكون عندها هذا المرء او الفلاح قد كرّس همه وتعبه لفترة عام واحد،وقد ينجح في مجهوده وان هذا النجاح يكون لسنة واحدة، الا انه يجدد النشاط والعمل للسنة المقبلة وهكذا دواليك.
أما المرء الذي كان قد عبر هذه الفترة وهذه التجربة واراد ان يهتم او يحضر او يعمل لاكثر من سنة فتراه يزرع الكروم باشجار كما يطيب له لتعمر سنين كثيرة وتشمل هذه المزروعات انواعا مختلفة من الاشجار والنباتات التي تعمر سنوات كثيرة وتدر بمحصولها عليه، فربما تعب سنة واحدة يريحه لفترة سنوات كثيرة، وقد يكون العائد عليه وعلى اسرته وقد يكون عائدًا وافرا من المحاصيل والمنتجات على اختلافها.. عندها يكون هذا المرء قد افاد نفسه وافراد اسرته لفترة معينة قد تكون سنين كثيرة الا انها محدودة، وتحتاج الى رعاية متواصلة وعناية دائمة كي يحتفظ هذا الزرع باستمرار حتى يضطر الى تغييره او زراعته من جديد.
إلا أنّ المقولة أكدت على أمر ثالث، وهو: من يهذب ويعلّم النشء فأنه يهتم لفترة أجيال واجيال.
فمن يعمل على تربية النشء تربية صالحة ويوجه هذا النشء نحو العلم والمعرفة، ويبذل المستطاع من اجل زرع العلم والمعرفة في نفوس افراد الاسرة، وكذلك يوجه في محيطه وفي مجتمعه نحو العلم والمعرفة، ويبذل كل المستطاع لالتحاق النشء في المعاهد العليا بعد ان كان قد زرع في نفوسهم منذ الصغر روح الطموح في الكسب العلمي والثقافي والتربوي ليخلق ثلة من المثقفين والمتعلمين الذين يعتبرون عمدة للمجتمع في كثير من الاحيان، وعليهم يمكن الاتكال وقت الشدائد وكذلك عليهم يمكن الاعتماد وفي خلق الجو الانساني الذي فيه يحترم الصغير الكبير ويقدمه، فيه يزداد الحفاظ على التراث، تراث الاجداد والآباء، تراث الحياة الحرة التي نما وتربى عليها السالفون من عادات وتقاليد يجب الحفاظ عليها، وتقويتها وتنميتها بالمستجدات العلمية، الثقافية والتربوية لان في ذلك نبذًا للسلبيات مهما كانت، وتقوية ودعمًا للايجابيات في كل ظرف، هذا يمكن ان ينتج فقط بفضل الوعي وبفضل تجسيد العلم والمعرفة بالاصوليات التي نشأت مع الآباء والاجداد ونقلت للجيل الناشئ ليحفظها الى ما بعده، هكذا يكون المرء قد اهتم في هذا العمل لفترة اجيال كثيرة، وربما يؤدي ذلك سنة بعد اخرى، وجيل بعد جيل الى نمو حضاري اكيد متجانس كليا بما تركه لنا الاجداد.
وعليه يترتب على المرء الذي يستطيع الى ذلك سبيلا، ان يكون واعيًا يزرع لسنة ويواكب الزرع ايضا لسنين وينهج نهج التربية والاهتمام للاجيال تربية النشء للارتشاف من مناهل العلم والادب والاخلاقيات الانسانية لان في ذلك تكمن حياة حضارية، حياة يحترم فيها الناس بعضهم،ويحترمون معا انتماءاتهم واطيافهم وسلوكياتهم في ظل تقدم وتطور ينهض بالمجتمع نحو الافضل بفضل الحكمة والعلم والمعرفة لاجيال لا حدود لها، وعندها تكون الفائدة جماعية وربما تشمل شرائح كثيرة في المجتمع الواحد.
(ابو سنان)
