زرته بعد فترةٍ من الزمن، فزيارته جزء مهم من مجريات حياتي، لوجود الكثير الكثير من المشترك، بالفكر والنظرة إلى الحياه، فهو دائما متجدد، منفتح، جدلي، صريح، يمتاز بالشجاعة بطرح الموقف، يعطيك من تجربته الحياتية بإيجابياتها وسلبياتها، متفائل دائما بالرغم من كل ما يحيطه من بواعث الإحباط واليأس، مُحِب لسرد القصص والحكايات المرتبطة بالحياة اليومية، يسرد النكتة بصوره جميلة بشكل "مسرحي"، "تمثيلي" لطيف، فلا تشعر معه بمرور الوقت.
ولكن خلال زيارتي هذه وجدتُهُ، جالسا، حالما، يمسك بيده كأسا من الخمره وليس من عادته أن يفعل ذلك. فقلت له: شرب الكأس ليس من عادتك، فهذا من إختصاصي.
فقال لي: أفعل ذلك منسجما مع ما جرى لي البارحة.
فقلت له: حدثني فأنت أفضل من حدّث، ووصف، وتخيّل، وحلم وتكلم!
فأجابني منفعلاً متسائلاً: هل تؤمن بالولادة من جديد؟!
فقلت له: تكفينا ولادة واحدة وموت واحد.!
فردَّ بانفعال وبحركةٍ من يديه تؤكد النفي: لا لا أبالغ، فأنا البارحة ولدت من جدبد!
فقلت له ضاحكا: لا شك بأن الكأس أخذ مفعوله!
فقال لي: سيأخذ ألكأس مفعوله لاحقا عندما نستمر في سهرتنا ونشربه معا، أما الآن فدعني أُحدثك عمّا جرى لي!
وأحسست بشدة رغبته بأن يسرد لي قصته، فقلت له: حدثني حدثني، فأنا الآن متشوق لإحدى قصصك الجديده!
فقال لي: كنت جالسا في حديقتي فإذا بحورية مرت بجانبي ونظرت بعينيها باتجاهي وفي عينيها الكثير من الكلام، فأنا أعرف عندما تتحدث العيون وخاصةً الجميلة، فخيل لي وكأن الربيع إختزل بخضار عينيها، وسواد الليل بشعرها الطويل، وابتسمت لي فشعرت وكأن الدنيا كلها تبتسم، وأثارت مخيلتي فرأيت وكأن الأرض إزدهرت حول خطواتها، وطرحت الفل والياسمين، والبرقوق الأحمر، لتعلن إختفاء فصول السنة، لتصبح كل السنة ربيع، لأن زماني توقف حين رأيتها، ولم يُسمع في هذه أللحظات سوى نبضات قلب محب، إستعاد وجوده في رؤيتها. وأصبح الهوى بجوانحي يسري، وقلبي خفق لظلها وأنفاسها وعطرها، وسكرت من لون شفتيها الخمري، وشعرت وكأنّي أصبحت أسيرها، وأسرها قمة حريتي، فتركت قلبي مغتبطا منتشيا، برؤيا محياها، فبقلبي وعقلي وعيني ارتسمت أجمل زهرة في أجمل حديقة، وتمنيت أن تضمني إلى صدرها لكي أولد من جديد وأسبح في ليل شعرها، لكي تصبح روحها روحي مدى الدهر.
فقلت له: يا صديقي حتى ألآن لم أعلم بإنك شاعري إلى هذه الدرجه، ولكن ما سردته لي أقنعني بإمكانيه الولادة من جديد.
فأجابني بمرحٍ والسعادة تملأ وجهه، من محبتي للناس أتمنى أن يحدت ذلك لكل إنسان فلا طعم للحياه بدون ينبوع المحبة .
فأجبته: في بعض الحالات الزمن لا يعود، وقطار الحياه يعبر بسرعة وما شعرت أنت به، متأخر بالنسبة لبعض متقدمي السن مثلي.
فقال لي: يا صديقي محبة الحياة لا تحدد بعمر ألإنسان فسليمان الملك ولد من جديد مع بلقيس، وبابلو نيرودا كتب أجمل أشعاره لماتيلدا، ونزار قباني ولد من جديد وكتب أجمل أشعاره لبلقيس، فلذلك أتمنى أن يحدث لك ما حدث لي ففي النهاية نعيش مرةً واحدة فلماذا لا نولد من جديد مرةً ومرات!!
(كفرياسيف)
