حيث يمحون اللافتات

single

"الموت للعرب" على لافتة مستوطنة يتسهار

 


 
امرأة تسافر دون اكتراثٍ في الشّارع، وإذا بشيء ما مُشوّش يظهر لثانية خاطفة في مجال رؤيتها. فاللافتة التي تمرّ قربها صباحَ كلّ يوم وهي في طريقها إلى عملها تبدو بهيئة مختلفة هذا اليوم. إنها لا تزال خضراء، وتتحدّث بالعبريّة والإنجليزيّة، فهي لغة العالم، لكنّ خلطة من الدّهان الأسود المرشوش عليها يغطّي شيئًا ما، ما هذا؟ حتى يوم أمس كانت هناك عربيّة عليها، تتذكّر المسافرة، وكشقيقتيها في اللافتة فقد أشارت إلى اتجاه، لكنّها اليوم ممحوّة. واقع حياتنا يعجّ باللافتات المتعدّدة اللغات وها هو التشويش يتحدّى شيئًا ما مفهومًا ضمنًا، حقيقة أنّه يقطن هنا بغبطة مواطنون ليسوا يهودًا. لكن، لماذا يكلّف أحدهم نفسه عناء القيام بهذا أصلاً؟ تتساءَل المسافرة وهي تواصل طريقها، فالعين تعتادُ على كلّ شيء. غدًا أو بعد غدٍ ستتوقف المسافرة العابرة صدفةً عن التفكير بهذا، ووحدها اللافتة ستواصل، بصمت، تحمّل الغبن الذي ارتكب بحقّها وبحقّ العابرين قربها، العرب واليهود. هذا المكان لا تنقصه المشاكل أصلا.

اللافتة التي تعرّضت للتخريب على جانب الطريق تثير فينا الغضب في أفضل الحالات، وفي أسوأها – اللامبالاة. نحن نميل إلى التفكير بأنّه ما دام هؤلاء الزعران يعتدون على اللافتات وليس على البشر، فلا بأس. لكن، ها هو الأسبوع الفائت يوفّر لنا دليلا على أنّ التوجّه الذي يقف خلف الاعتداء على اللافتات لا يتوقّف عند الجماد. فالمرأة العربيّة التي انتظرت القطار الخفيف في القدس وتعرّضت لعنف منفلت من قبل خيرة أبناء الشبيبة، والرّجل العربي الذي واجه وهو في طريقه إلى البيت جريمة لينش – هما ضحيّتان لأيديولوجيا تسعى إلى إخفاء جميع ملامح العروبة من الفضاء العامّ، لأنّ أرض إسرائيل لشعب إسرائيل هي فقط لا غير. إنّ من يحملون هذه الأيديولوجيا يشيرون على لافتات الطرق إلى الفعل الرمزي للمحو، الطمس، والرغبة التي يستحق اليهود هنا وفقًا لها فرادة قوميّة تامّة. كما أنهم يضيفون، أحيانًا، إلى جانب محو العربيّة شمعدانًا أو نجمة داود، وغايتهم من ذلك نزع أيّ شكّ أو ريبةٍ من قلوب المسافرين على الطريق.

إنّ العنف الرمزيّ المتجسّد في اللافتات الصّامتة يهمّنا في ائتلاف شوتفوت-شراكة، الذي نناضل في إطاره من أجل تأسيس مجتمع متساوٍ، ديمقراطيّ ومشترك. يقوم الأشخاص بإبلاغنا عن لافتات قام أحدهم بإخفاء العربية عنها، فنتوجّه إلى شركة "نتيفي يسرائيل" مطالبين بأن تعيد الوضع إلى ما كان عليه. صحيحٌ أن الوضع المنشود الحقيقيّ سيكون حين تشكّل اللغة العربية جزءًا عضويًّا من نسيج حياتنا جميعًا - في المدارس، في المؤسّسات العامة، في المناسبات الثقافيّة، وعلى صفحة قلب متّخذي القرارات. حاليًّا، نحن نصرّ على الحفاظ على العربية التي سُلبت من الحيّز العام، ليس من أجل العرب الذين يعيشون هنا ويسافرون في الشوارع فحسب، بل أيضًا من أجل الأغلبية اليهودية التي يؤدّي الفصل والإقصاء والانغلاق إلى إلحاق الضرر بها فقط.
 
إنّ النضال من أجل تحقيق رؤية مجتمع مشترك في إسرائيل، يستوجب الصّبر والمثابرة. فإلى جانب الرؤية ومعرفة الطريق، يجب علينا أن لا نعتاد على مظاهر الكراهية والعنصرية، لا حين تظهر على الشاشة ولا حين تزركش بصمتٍ ما هو مفهوم ضمنًا لدينا. إن العين التي اعتادت على المفهوم ضمنًا المتمثل في أحياء مفصولة، تخصيص موارد غير متساوية، وحكومة من دون عرب، يجب عليها في أقلّه أن تلاحظ تلك اللافتة التي جرى تخريبها على جانب الطريق.

 


*الكاتبة هي المركزة الإعلامية في ائتلاف شوتفوت-شراكة الناشط من أجل مجتمع ديمقراطي، متساو ومشترك.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الجعجعة التركيّة والطحن الفلسطينيّ

featured

حقوق المعتقلين، حقوق إنسان

featured

دقّت ساعة قوّة السياسة في فيينّا

featured

هكذا أطلقت واشنطن العنان للأصولية المتقنّعة بالإسلام

featured

المقاطعة احتجاج شرعيّ ومطلوب

featured

هل دام حكم العباسيين حتى يدوم لكم؟!

featured

الإنتاج الرأسمالي ينتج أيضًا بؤس العامل

featured

وَهَل يَنْهَضُ البَازِي دُونَ جَناحِ