ليس انشغالي فقط بأمور خاصة وأخرى عامة هي التي اشغلتني عن مناقشة مقال الرفيق توفيق كناعنة المنشور في صحيفة "الاتحاد" بتاريخ 30.5.2014 بل ايضا تقديري العميق لأجيال الرفيق كناعنة من شيوعيين قدامى ولمآثرهم في الدفاع عن قضايا شعبنا في أصعب الظروف. هذا ما جعلني أتردد في الكتابة وأؤجّل.
الحزب حزبي والجبهة جبهتي، حتى لو اختلفت معهما واستقلت منهما. وكنتُ قد كررت في العديد من مقالاتي ان الغضب والمرارات والاستياءات الشخصية والعامة من بعض مواقفهما وممارساتهما لا يجوز أن تكون خلفية لموقف سياسي سليم ولبرنامج عمل. والبدائل المطروحة لهما اسوأ منهما وخطايا تلك البدائل اكبر بما لا يقاس من أخطائهما.
أقول هذا وأكرره، حتى في أكثر مقالاتي نقدًا للحزب وللجبهة. وذلك بسبب قناعتي أنه مهما أشدنا بدورهما في الحفاظ على البقية الباقية من شعبنا العربي الفلسطيني في وطنها، وفي بلورة هويتنا القومية الوطنية الجامعة والديمقراطية، وفي تنظيم هذه الاقلية وتحقيق الانجازات لها... سنبقى مقصّرين بحقهما.
كتبتُ ونشرتُ (11) مقالًا عن انتخابات بلدية الناصرة. مقالان قبل جولتها الاولى وأربعة بين جولتيها وخمسة في تلخيصها بعد جولتها الثانية. وفي كل مقالاتي تلك أوردتُ ليس فقط ما ذكرته أعلاه، وإنما أيضًا تعرية حادة لكل البدائل التي عقدَتْ فيما بينها تحالفًا قميئًا لإسقاط الجبهة بدلًا من ان يسعى بعضها الى التجاوب مع دعوة الجبهة لها للتحالف، معرّضًا نفسي لأقذع التهديدات والشتائم، بما فيها الاعتداءات. ووصل الأمر الى حد اتهامي مِن قبل مَن يشتري ولاء الناس بالوعود والبرطيل النقدي... بأن الحزب الشيوعي اشتراني. وكان من قال عني إن "الدجاجة لا ترمي قفاها..." مؤكدًا أني كنتُ وَعُدتُ لصفوف عضوية الحزب والجبهة.
لم أعد. والحزب لا يشتري ولاءات. وانا لا أُشترى وأُباع، بل أضحي بمصلحتي الذاتية الشخصية بما فيها ضمان وظيفتي وعملي، إذا ما تعارضت تلك مع مبادئي وقيَمي. وكنتُ قد كتبتُ أن هذا ما تعلمته في ماضي عضويتي في الحزب الشيوعي. فيا رفيقي العزيز توفيق كناعنة، وبيننا عيش وملح كما كتبتَ، أين وجدتَ في مقالاتي الـ (11) "التجني والظلم والتشويهات والمماحكات والذاتيات، والتخلي عن تاريخي، وفتح الجروح القديمة، واستعمال التعابير النابيّة وغير اللائقة، واتهام الآخرين بأنهم لا يعرفون شيئًا ويجترون الماضي، وأنا الوحيد الذي يعرف الواقع، والتشاؤم المبالغ به، والتمادي في النقد غير الموضوعي... الخ".
في كل مقالاتي الـ (11) اوردتُ انتقادات موضوعية، حسب رأيي، بحق الحزب والجبهة. وسأستمر في هذا كلما وجب الأمر . لكني كنتُ في تلك المقالات، وسأبقى، قلمًا مسلولًا في مواجهة وتعرية كل من يتجنى ويتطاول على تاريخ ودور هذا الحزب، ومن موقعي خارج صفوف عضويته.
*علِّموا أولادكم بغير علمكم...*
مقالاتي الـ (11) عن انتخابات بلدية الناصرة عبارة عن سلسلة متواصلة ومترابطة يتعذر فصلها عن بعض والتوقف عند واحد منها فقط، او عند جملة وردت في احدها، لبناء موقف عن موقفي ازاء الحزب والجبهة وعن أسبابه. واعتقد ان الزميل كناعنة وقع في هذا الخطأ حين توقف عند فقرات وردت في مقالي الاخير بعنوان "ماذا تفعلون بزيتونة مثمرة إذا ما أصابها بعض مرض؟" محمّلًا اياها ما لم أقصده بالمرة. وكنتُ قد جمعتُ في هذا المقال، لانه عن الحزب والجبهة، كل الانتقادات بحقهما التي أوردتها في مقالاتي العشرة التي سبقته وأضفتُ عليها المزيد.
أكدت في هذا المقال، وفي كل سابقيه، أن الإنتقاد يجب أن يكون موضوعيًا لا ذاتيًا. ولم ألجأ فيه لكلمات نابّة. ومع إبرازي لوجوب أن تتركز الأحزاب على نقد ومعالجة نواقصها وسلبياتها الذاتية، كتبتُ أنه لا يجوز التنكر للظروف الموضوعية المحلية والعالمية، وتراجع قوة وتأثير الفكر القومي الديمقراطي واليساري الاجتماعي، وصعود الفكر الإسلاموي، والتبدلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحاصلة بين شعبنا، وظهور التعددية الحزبية ... الخ، على تراجع قوة وتأثير الحزب والجبهة. لكن أكدت ايضًا ان واجب الاحزاب ان تسائل وتحاسب ذاتها ماذا فعلت وماذا غيّرت وبدّلت وجددت، وطوّرت فكرًا وممارسة وتنظيمًا وتحالفًا، لمواجهة تلك الظروف الموضوعية وللانتصار عليها، او على الاقل للحد من آثارها السيئة. وأشرتُ الى أن تلك الظروف الموضوعية قد تكون يدها هي العليا وأقوى حتى لَوْ قام الحزب بإصلاح كل اخطائه.
فيا رفيقي كناعنة ما زلتُ، كما ترى، ماركسيًّا أقبض على جمرة جوهر المنهج الديلكتيكي في التحليل. لكني "أعترف"، بل اعتز بأني تخليتُ عن "اللينينية" وعن "الحتمية التاريخية" بانتصار "ديكتاتورية البروليتاريا" وعن "المركزية الديمقراطية" و"عن تنظيم الحزب من نوع جديد" – جديد جرى وضعه عام 1902!
واعتقد انه لو كان ماركس حيًّا اليوم لكتب "بيان الحزب الشيوعي" و "رأس المال" ليس على غرار كتابته لهما في اواسط القرن التاسع عشر. كل شيء في تناقض وتبدل وتغيّر. وما من شيء ثابت الا ... الحركة. وعند ماركس نقرأ نصيحته: "على الأبناء ان يربوا آباءهم"! وقبله كان قد علّمنا وأوصانا الخليفة علي بن ابي طالب (ر) أن "علِّموا اولادكم بغير علمكم لأنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم"!
هذا موقفي وموقف المئات من أعضائكم في الحزب والجبهة والآلاف من داعميكم ومؤيديكم. ومن الأجدى أن نتناقش ونتحاور بخصوص هذا. فأنتم رفاقي وأنا رفيقكم ومعًا نحن في هذا البستان الوطني والتقدمي العلماني واليساري. هذا افضل بكثير من تقويلي ما لم أقله ومناقشتي على ما لم أكتبه، وان كنتُ خارج صفوفكم لا خارج بستاننا الذي يجمعنا معًا.
*لنحددْ نقاط الاختلاف... حتى نتفق!*
دعونا نواصل ما بدأته أعلاه وسأتبعه أدناه من تطرق للخلفية الفكرية لانتقاداتي، لأن الاختلافات بيننا تعود لتفسيرنا للنظرية وما يتركه هذا الاختلاف على نهج العمل والتنظيم. لم ولا يمكن أن أنفي أن الاحزاب التقدمية والثورية تفقد في سنوات ومراحل مسيرتها الطويلة، سنة بعد أخرى، العديد من اعضائها. يستقيل هؤلاء إما عن تعب، أو يأس، أو غضب لعدم تبوئهم مركزًا ما، أو عن انحراف فكري وسياسي، او عن خيانة حتى، وعن أسباب ذاتية عدة ومصلحجية أخرى ... الخ. لكن هنالك مَنْ يستقيلون أو/و يُقالون لأنهم يرون أن إطارهم الحزبي أصبح بتكلسه وجموده وبعدم تجديده لذاته وتطويره لفكره وممارساته عائقًا وخانقًا للمبادئ وللقيَم التي من أجلها انضموا لتلك الاحزاب.
برأيي أن على تلك الأحزاب أن تعمل بانفتاحها وبديمقراطيتها الداخلية على المنع او الحد على الاقل من تلك الانسحابات، بإعطاء اعضائها الشعور والأمان بأنه بامكانهم إجراء التغيير الذي ينشدونه من خلال توفير حرية النقد العلني والعمل الداخلي لإقناع غالبية اعضاء الحزب بمواقفهم. فإما ان يُقنعوا او لا، ويبقى الحزب حزبهم. اما منعهم من هذا واتهامهم بالانتهازية وبالانحراف الفكري والعمل على هدم الحزب، وبكونهم جرذانًا هاربين من سفينة يظنون أنها ستغرق، وببصقهم في الصحن الذي يأكلون منه، وبالخيانة، وسنقطع ايدي ونقص ألسن كل من يتطاول على الحزب ... الخ. فهذه هي الوصفة الافضل لقضاء الحزب نفسه على ذاته كحزب جماهيري ولتهجيج أعضائه أو على الاقل لمنع تطوره وتوسيع صفوفه وزيادة جماهيريته وتأثيره.
الحزب، مثله مثل أي إطار مدني اجتماعي، أداة ووسيلة وليس جسمًا قائمًا بحد ذاته لخدمة ذاته. ومن حق الأعضاء أن يستقيلوا منه إذا ما أصبحت هذه الأداة – الوسيلة – عائقًا في وجه الاهداف والقيم التي تأسست من أجلها. والنقاش الفكري الداخلي، حتى الحاد، امر مبارك. فقط في المقابر يسود صمت رهيب وإجماع عام ولا تُطرح فيها الاسئلة.
وصحيح ان الخيانة ليست وجهة نظر، ولكن أيضًا ليست كل وجهة نظر خيانة. وصحيح أن الالتزام التنظيمي واجب في الاحزاب. ولكن ما من التزام تنظيمي مضمون ان لم تسانده القناعة للرفاق في الممارسة، بأن الحزب كإطار جامع يلتزم ببرنامجه وتجدده وبضمان حق الرفاق في مناقشته وحق نقده وتغييره عن طريق النقاش والإقناع.
وصحيح أن لينين قال إن الاحزاب ليست ناديًا للنقاش. لكنه قالها بعد أن فتح باب النقاش العلني ولشهور متتالية، وفي الصحيفة الحزبية أيضًا. وقالها بعد أن آن الأوان لاتخاذ قرار مركزي بخصوص وجهة وبرنامج الحزب وحسم النقاشات الطويلة التي سبقت هذا. وأضاف دعونا نناقش ونحدد نقاط الاختلاف فيما بيننا حتى نتفق.
*العودة نحو المستقبل...*
لم أنفِ في مقالاتي حق الرفاق بالتفاخر بماضي الحزب. بل كنتُ الاكثر تفاخرًا بهذا الماضي حين شبّهت الحزب بزيتونة مثمرة تفيأنا في ظلها وتغذّينا على زيتونها وزيتها، وبنينا اعشاشنا بين اغصانها، وفرّخنا، وبرينا مناقيرنا الغضة على جذعها، وانطلقنا نسورًا تطاول السماء كرامة قومية وعزة وطنية. وحذّرتُ انه اذا ما اصاب هذه الزيتونة المعمّرة والمثمرة في حديقة الوطن بعض وهن وبعض مرض، لا يجوز قلعها وتحطيب أغصانها. وانما يجب تقليم اغصانها اليابسة وتسميدها وسقيها بماء ودواء النقد البنّاء.
ألم تقرأ يا رفيقي توفيق، ولك ولحزبك ولجبهتك – حزب وجبهة شعبنا جميعًا – كل التوفيق، هذا الكلام الذي اختتمتُ به مقالي النقدي؟ ثم هل من اصول النقاش والنقد ان تفتح انت موضوع الخلافات في الحزب عام 1988، ثم تتهمني بأني انا الذي فتحتها ومن منطلق ذاتي، وانه لم تكن هنالك ازمة داخلية، وكل ما هنالك انه كان قرار للجنة مركزية بحق رفيق ما... أتت بعده مقولة الأقفاص والتحرر منها. هذا مع التلميح الواضح، رغم محاولة ستره، لعلاقتي العائلية بذاك القائد! اما قولك لي: "أنت تعرف وانا أعرف ان الذي حدث هو هذا"، أجيبك عليه: انت تعرف وأنا أعرف أن الذي حدث ليس هذا!
لن يجرني أحد لفتح صفحات ذاك الماضي. ولمعلومية الرفيق كناعنة، وقيادة حزبه المتوفاة والحية تعلم، اني ألّفتُ كتابًا من 160 صفحة عن جذور وأسباب ووقائع الاختلافات – الخلافات التي تفجرت عام 1988. واعتمدت فيه الوقائع والبروتوكولات المؤرشفة. لم انشره لأني شعرتُ، بعد انهاء كتابته، ان اصداره سيضر بالحزب اذ سيستغله اعداء الحزب والجبهة وخصومهما للمس بهما.
ونعم يا رفيقي توفيق لقد كنتُ عضوًا في اللجنة المركزية كما كنتَ انت. ومعًا سمعنا وشاركنا في النقاشات التي دارت يومها. فهل تريدني ان انشر بروتوكولاتها وما سبقها من نقاشات داخل المكتب السياسي، حتى اثبت الحقيقة؟ لن افعل هذا. فلنعترف: نحن على خلاف فكري. ولكن هذا الخلاف يجب الا يمنع المختلفين من الاتفاق والتعاون بخصوص العديد من القضايا.
لقد اوردت في مقالي الأخير عن تلخيص الانتخابات استشهادًا واحدًا من إميل حبيبي من سبع كلمات فقط هي: "لأمر ما خُلِقت أجنحة للطيور وعقول للبشر". وقصدت بهذا مناشدة الحزب والجبهة التحليق بأجنحتهما وعقولهما خارج أقفاص الماضي والتغني به، والانطلاق نحو آفاق جديدة حتى لا يقوى عليهم احد. هذه ليست دعوة للتنكر للماضي، وانما دعوة لعدم تقديم اجوبة الماضي الجاهزة على اسئلة الحاضر المستجدة.
وبالمناسبة ذاك القول لاميل حبيبي لا يخص النقاشات التي عصفت بالحزب عامي 1988 – 1989. لقد قاله في اطار كلمة له القاها في ندوة في القاهرة عن "الأدب والحرية" عام 1992. ونشرتها مجلة "فصول" المصرية في خريف ذاك العام، وصحيفة "القدس" الفلسطينية بتاريخ 1992/12/3. وقام حبيبي بتضمينها لكتابه "نحو عالم بلا اقفاص" الذي صدرت طبعته الاولى عام 1993. وكان قد استقال من كل مهماته الحزبية بتاريخ 8.5.1989.
اما كيف ولماذا جرت اقالتي – استقالتي من عضوية اللجنة المركزية للحزب ومن عملي سكرتيرًا تنظيميًا لمنطقة الناصرة الحزبية، فلن أنجر الآن للجواب بخصوصها. لأنه لا دخل لهذا بما ورد في مقالاتي عن انتخابات الناصرة، ولا اريد فتح جروح الماضي ولا التطرق لقضايا ذاتية. والغريب انك يا رفيقي تتهمني بأني أفعل هذا (أين؟ كيف؟) مع انك انت الذي تثير هذه الامور. ثم كلمتي في الاجتماع الاخير للجنة المركزية الذي حضرناه معًا وجرى في نهايته فصلي من عضويتها، وكذلك رسالة استقالتي من العمل الاحترافي في منطقة الناصرة متوفران في أرشيف الحزب، والزميل توفيق سمعهما وقرأهما. حبّذا لو انتقدتَ انتقاداتي وبيّنتَ بطلانها، بدلًا من تقويلي ما لم أقله وزج انتقاداتي في زاوية لم اقصدها ولم اتطرق لها بالمرة. وتبقى يا رفيقي انت وابناء جيلك الاكبر والاصغر سنًا منك، من رعيل الجيل الشيوعي الاول والاوسط نبراسًا لشعبنا لما بذلتموه من عطاء لهذا الشعب ولهذا الوطن. وسأبقى احبكم وأجلُّكم لو تعرفون كم، مهما اختلفتُ مع حزبكم وجبهتكم في بعض المواقف الفكرية والممارساتية.
واذا ما "ضربتكم" احيانا بنقدي، وقد افعل هذا مستقبلًا ايضا كلما استدعت الحاجة ذلك، لا أدّعي اني أملك ناصية الحقيقة وإنما عن قناعة انتقد، ولرغبة في الاصلاح لا في الهدم انتقد. ثم انتَ وأنا يا رفيق توفيق تعود اصولنا الى عائلات فلاحية جليلية اشتهرت بغرس اشجار الزيتون. كلما "ضربتَ" شجرة الزيتون اكثر تساقطت ثمارها – خيرها اكثر. وكلما قلّمت اغصانها اليابسة نمَت اغصان جديدة اكثر اخضرارًا وحيوية وثمارًا. والحزب زيتونة شعبنا، عليه نعتمد ولأخطائه سننتقد، حتى يكون له وللجبهة دور أنجع في العمل لصالح مستقبل أفضل لشعبنا.
هذا هو المستقبل الذي نتطلع اليه في حاضرنا المأزوم هذا، لا العودة الى مماحكات خلافات الماضي وتسعيرها. ومن يرد العودة للماضي فليعد له من باب استخلاص عبره وللتحليق خارجه نحو غد افضل. هكذا تكون العودةُ عودةً نحو المستقبل.
