صحافتنا بين زمنين

single
المقارنة بين صحافتنا ومجمل ثقافتنا الآن، وبين ما كانت عليه قبل سبعة عقود بها إجحاف مزدوج، وذلك لسببين، أولهما أن التقنية والاستفادة من منجزات التكنولوجيا في ذلك الوقت لم تكن كما هي الآن، والسبب الآخر هو أن الصحافة بالتحديد كانت تقوم بدور تنويري ريادي، وهي المنبر المتاح لمفكرين وأدباء في ذلك الوقت، لأن الإذاعات لم تكن قد بدأت تمارس دورها إلّا في نطاق محدود، وأقدمها أنشئ عام 1932 في مصر، بعد ربع قرن من إنشاء أول جامعة بالمعنى الحديث، وهي جامعة فؤاد الأول، التي أصبحت فيما بعد جامعة القاهرة.
وإذا كان التنوير والتحديث وتأهيل الأمة لدخول العصر هي أهم الدوافع لتعبير الكتاب عن أنفسهم وآرائهم في الصحف، فإن هذه الدوافع تتجدد اليوم، وفي ذروة الاشتباك بين من يشدون العربة إلى الأمام، ومن يشدونها إلى الوراء باتجاه الهاوية.
إن أهم الكتب التي صدرت في تلك المرحلة كانت مقالات متفرقة في الصحف جمعها أصحابها بعد أن انتظمت في سياقات محددة، لهذا لم يكن كتاب النصف الأول من القرن العشرين معنيين بتحليل الأحداث على نحو إجرائي، قدر اعتنائهم بمفاهيم وقضايا وسجالات.
وحين نقول إن الدوافع تجددت قدر تعلقها بمعركة التنوير، فذلك ليس لأن التاريخ يتكرر، بل لأن خصوم التجديد والتحديث يتكررون رغم اختلاف المصطلحات والأدوات.
ورغم التقدم الهائل الذي تحقق خلال سبعة عقود في العالم، ومنه نحن العرب، إلّا أن هناك من يصرون على توظيف هذا التقدم العلمي لصالح التجهيل، فالعلم كالسلاح لا يحدد اتجاهه بنفسه بل من خلال الإصبع الذي يضغط على الزناد، وهناك الآن من يوجهون الفوهات إلى صدورهم وينتحرون، لكنهم لا يعلمون، لأن الوعي السالب أنكى وأخطر من الجهل.
صحافة الماضي لم تكن بهذه الوفرة، وكذلك المشتغلون فيها، ولم تكن نسبة المتعلمين كما هي الآن، لكن بالرغم من ذلك كان لها دور ريادي في التغيير والتنوير، ونشر فيها ما لم يفقد صلاحيته حتى الآن.

قد يهمّكم أيضا..
featured

جدل المجلس الوطني الفلسطيني

featured

كلمة وفاء لأخ وصديق

featured

معنى الحديث عن النكبة بالعبرية

featured

روميو وجولييت مجتمعنا

featured

هم يؤمنون، ونحن نعرف

featured

وخطوط العرض والطول في كرم الضيافة اليركاوية الأصيلة

featured

كيف يمكن للظلمات أن تصبح مضيئة

featured

إنتصار الارادة الحرّة