كيف يمكن للظلمات أن تصبح مضيئة

single

  
تحمل ذكرى الانتصار على النازية الكثير من المعاني والدروس الانسانية لدى شعوب العالم، وخاصة الشعب الروسي لكونه اكثر شعوب العالم التي دفعت ثمن العدوان النازي.
فتاريخ الانسانية لم يعرف حربا دامية كتلك التي تكبدها الاتحاد السوفييتي، حيث ذهب ضحيها اكثر من 27 مليون انسان سوفييتي. لقد اباد الغزاة النازيون وعذبوا على الأرض الروسية التي احتلوها أكثر من  6 ملايين من السكان الآمنين من الرجال والنساء والأطفال.
إن فكرة "الحرب الخاطفة" والتي اطلق عليها اسم "برباروسا" والتي اعدتها هيئة الأركان العامة الألمانية النازية، لم يخامرها الشك في احراز النصر العسكري السريع فقامت بوضع خطط من للاستحواذ اللاحق على باقي دول العالم وفرض السيطرة عليه.
ويوجد تسجيل في دفتر يوميات القيادة العليا للقوات المسلحة الألمانية مؤرخ بتاريخ 17 شباط سنة 1941 هذا نصه "بعد الإنتهاء من الحملة الشرقية (اي احتلال الاتحاد السوفييتي) ينبغي اعداد خطة للاستيلاء على افغانستان ثم تنظيم هجوم على الهند". وفي وثائق اخرى وردت بالتفصيل خطط محددة للاستيلاء في خريف 1941ع لى كل من ايران والعراق ومصر وقناة السويس.
ولكن صمود وتضحيات وجبروت الشعب الروسي السوفييتي أفشلت هذه المخططات ومنعت النازيين من تحقيق أهدافهم الهمجية البربرية.
وهنا علينا أن نؤكد بأن النازية والفاشية وأنظمة الحكم اليمينية العنصرية بكل أشكالها، هي من افرازات وتقيّحات النظام الرأسمالي الأمبريالي، وخاصة في فترة الأزمات، وما نشاهده اليوم في عالمنا المعاصر من ممارسات وسياسات غطرسة القوة ونفي الآخر، ومن حروب همجية وحشية من قبل الولايات المتحدة الامريكية وربيبتها اسرائيل لأكبر دليل على ذلك.
حروب اسرائيل العدوانية المتكررة، واستمرار الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية، وحصار غزة، وما تمارسه امريكا في العراق وافغانستان والمؤامرة على سوريا لهو تعبير فاضح عن طابع هذه الحروب العنصرية الاستعمارية البربرية، والتي تذكرنا بما يسمى "المحرقة"، خلال الحرب العالمية الثانية.
المشكلة الاساسية في عالمنا المعاصر هي الارهاب الرسمي الذي يمارَس من قبل أمريكا عالميا واسرائيل في المنطقة. والارهاب الفردي هو نتيجة وافراز للارهاب الرسمي الذي يمارس من قبل الدول الامبريالية وربيبتها اسرائيل.
فالأصولية الغربية المتسلحة بفكرة "الشعب المختار" لا تختلف كثيرا عن فكرة "الشعب الأرقى" من خلال ممارسة فكرة الابادة والتطهير العرقي ونفي الآخر، بل الأسوأ من ذلك تفسير هذه الممارسات وكأنها أوامر إلهية.
فالدفاع عن الحق لا يمكن أن يكون انتقائيا، لا يمكن تطبيقه بعناد في حالة "ضم الكويت" ونسيان احتلال وضم القدس.
كتب ثيودور هرتسل "سنكون بالنسبة لأوروبا المتراس في مواجهة آسيا، وسنكون الحرس المتقدم للحضارة ضد البربرية".
وهكذا يسمح الغرب الامبريالي لاسرائيل بكل الانتهاكات الدولية. دولة اسرائيل هي الدولة الوحيدة التي قبلت في الامم المتحدة تحت شرط عدم المساس بوضع القدس والسماح للعرب الفلسطينيين بالعودة الى أرضهم، واحترام الحدود الراسخة لقرار التقسيم واليوم اسرائيل تتنكر ليس لحدود الـ 49 بل لحدود 67.
البربرية الأمريكية الامبريالية في عالمنا المعاصر تقدم اعلاميا كأنها لعبة الكترونية مع لوحات التصويب التي لا نرى عليها ابدا الضحايا الممزقين، لم يعدّوا سوى الموتى الغربيين أما الآخرون من اطفال ونساء ورجال الشعب العراقي فلا يعدون.
يتباهون بالقاء 60 الف طن من المتفجرات فوق بغداد حتى اليوم الرابع للحرب على العراق، وهذا يعادل خمس مرات ما القوه على هيروشيما، وأعادوا العراق الى عصر ما قبل الصناعة، هكذا اعترفت هيئة الامم المتحدة. فأمريكا واسرائيل لم تستفيدا من تجارب التاريخ ومن دروس القضاء على النازية والفاشية خلال الحرب العالمية الثانية.
سياسات القوة والعنصرية والفاشية والاصولية الغربية اليهو-مسيحية ومفاهيم "الشعب المختار" والاوامر الإلهية، لا يمكن من خلالها تحقيق السلام، لذلك على قوى السلام والتقدم في اسرائيل عربا ويهودً، ممارسة النضال المثابر ضد السياسة العدوانية لحكام اسرائيل وضد الاحتلال والاستيطان، من اجل السلام العادل والدائم في المنطقة، لكي تصبح اسرائيل جزءًا من فسيفساء الشرق الاوسط، من خلال اعترافها بمسؤوليتها الاخلاقية والتاريخية والسياسية، عن النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني. والاحداث الاخيرة احياءً لذكرى النكبة ومسيرات العودة الى القرى المهجرة تؤكد بأن الشعوب الحرة تستطيع أن تصنع تاريخها وتعود بالذاكرة والممارسة ليس فقط لعام 1967 بل أيضا لعام 1948 وحق العودة.
للاتحاد السوفييتي الفضل الكبير في تعليم المئات من ابناء شعبنا العربي الفلسطيني الباقي على أرض الوطن، والمنتظر لاحتضان العائدين من ابناء شعبنا في الشتات مستقبلا، مما ساعد على خلق شريحة اجتماعية واسعة تحمل فكرًا علمانيًا انسانيًا تقدميًا منفتحًا على حضارات الشعوب الاخرى. واستمرار العلاقات الثقافية مع الشعب الروسي ومركزه الثقافي في تل ابيب يساعد في توسيع وتعميق تأثير هذه الشريحة على المجتمع ككل. الآمال كبيرة وسنعمل على تحقيقها بالعمل المثابر والتفاعل المثمر مع المركز الثقافي الروسي، والشعب الروسي العظيم، الصديق القديم الجديد والمتجدد دائما لا محالة. فلا بد وان تعود روسيا لممارسة دورها التاريخي التقدمي تجاه الانسانية جمعاء.
واليوم تلعب روسيا دورا تاريخيا، من خلال مواجهتها وتحديها للمؤامرة الامريكية الصهيونية الرجعية العربية. هذا الثالوث الدنس، حفارو القبور، الذي يسعى الى تفكيك سوريا وتمزيقها، فقد صرح احد المعارضين للنظام في سوريا، وبهذا كشف عن حجم المؤامرة ضد الشعب والوطن السوري، حيث قال" بعد اسقاط النظام في سوريا سيأتي دور ايران، وبعد ذلك روسيا". هذا هي المؤامرة الامبريالية العالمية التي تهدف الى القضاء او"احتواء" كل من يعارض الهيمنة الامريكية الاسرائيلية في المنطقة. وهنا نستشهد بما كتب في مجلة كيفونيم (اتجاهات) وتنشرها المنظمة الصهيونية العالمية في القدس، نشرت في عددها رقم 14 شباط عام 1982، عام غزو لبنان، مقالة عن "خطط اسرائيل الاستراتيجية" ومما جاء فيه: " لقد غدت مصر، باعتبارها كيانا مركزيا، مجرد جثة هامدة، لا سيما اذا اخذنا في الاعتبار المواجهات التي تزداد حدة بين المسلمين والمسيحيين، وينبغي ان يكون تقسيم مصر الى دويلات منفصلة جغرافيا هو هدفنا السياسي على الجبهة الغربية خلال التسعينيات... وبمجرد تفكيك اوصال مصر وتلاشى سلطتها المركزية فسوف تتفكك بالمثل بلدان اخرى مثل ليبيا والسودان وغيرها من البلدان الابعد. ومن ثم فان تشكيل دولة قبطية في صعيد مصر بالاضافة الى كيانات اقليمية اصغر واقل اهمية، من شأنه ان يفتح الباب لتطور تاريخي لا مناص من تحقيقه على المدى البعيد، وان كانت معاهدة السلام قد اعاقته في الوقت الراهن".
 وما جرى في الماضي ويجري الان من تأجيج للصراع الديني في مصر من قبل جهات اسلامية سلفية او جهات مسيحية مرتبطة بالغرب ماهو الا ممارسات ونشاطات تهدف الى خلق كيانات اقليمية ضعيفة في مصر، وهذا المخطط نجح في السودان، وأخضعت ليبيا للهيمنة الامريكية الغربية.
وتضيف المقالة المذكورة اعلاه "وبالرغم مما يبدو في الظاهر، فان المشكلات في الجبهة الغربية اقل من مثيلتها في الجبهة الشرقية وتعد تجزئة لبنان الى خمس دويلات بمثابة نموذج لما سيحدث في العالم العربي بأسره".
والمؤامرة على وحدة لبنان مستمرة حتى الآن من خلال تأجيج الصراع الطائفي من قبل عملاء امريكا واسرائيل والسعودية وعلى رأس هؤلاء عميل السعودية الحريري وغيره.
ويستمر المقال المذكور اعلاه ويقول " وينبغي ان يكون تقسيم كل من العراق وسوريا الى مناطق منفصلة على اساس عرقي او ديني احد الاهداف الاساسية لاسرائيل على المدى البعيد. والخطوة الاولى لتحقيق هذا الهدف  هي تحطيم القدرة العسكرية لهذين البلدين، فالبناء العرقي لسوريا يجعلها عرضة للتفكك، مما يؤدي الى قيام دولة شيعية على طول الساحل، ودولة سنية في منطقة حلب، واخرى في دمشق، بالإضافة الى كيان درزي قد ينشأ في الجولان الخاضع لنا، وقد يطمح هو الآخر الى تشكيل دولة خاصة، ولن يكون ذلك على اية حال الا اذا انضمت اليه منطقة حوران وشمالي الاردن. ويمكن لمثل هذه الدولة على المدى البعيد، ان تكون ضمانة السلام والامن في المنطقة وتحقيق هذا الهدف في متناول يدنا".
وما نشاهده الآن من مؤامرة على سوريا، وترويج الاعلام الغربي حول سعي النظام السوري لاقامة دولة علوية على طول الساحل السوري ما هو الا تعبير عن هذه المخططات الاجرامية تجاه سوريا الوطن والشعب.
وروسيا اليوم تدرك حجم هذه المؤامرة، ولذلك ترفض أيّ تدخل اجنبي في سوريا، وترفض تنحي بشار الاسد، وتسعى من اجل حوار وطني للخروج من ظلامية المؤامرة، والكارثة التي تحاك ضد الشعب السوري والوطن السوري.
فرئيس المخابرات الروسية قال للوفد الامريكي خلال لقاء جمع بين وفد روسي ووفد امريكي الشام هي موسكو وموسكو هي الشام، لن تسقط الشام في مواجهة المؤامرة كما لم تسقط موسكو امام النازية.
من هذا المنطلق نقيّم دور روسيا الايجابي في سوريا والمنطقة في هذه المرحلة الحرجة والخطيرة التي تعاني منها الشعوب العربية في المنطقة.
وفي النهاية كما يقول الشاعر ناظم حكمت:
اذا لم احترق
اذا لم تحترق
اذا لم نحترق
فكيف يمكن للظلمات ان تصبح مضيئة. كفاحنا من اجل اسلوب آخر للحياة تنسجم فيه الابعاد الانسانية. ايماننا كبير بنجاح طريقنا.

 


  (الكاتب رئيس رابطة خريجي روسيا – الاتحاد السوفييتي سابقًا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

أليسا لا تغني في أول أيار

featured

الانتظاريون والانتخابات الأميركية

featured

عهر إسرائيل النووي

featured

حول مقولة "التدخُّل الأجنبي"..!

featured

مبروك لسخنين !

featured

حول "المشهد الاباحي" في فيلم "عمر" والمشهد الأخلاقي لمجتمعنا

featured

عبد الناصر كان يقول: الشعب هو المعلم، وهو ما ثبت حين ودّعه الشعب