غلاف جريدة الأهرام المصرية: "طوفان من الدموع" في وداع عبد الناصر
الرأي الذى قاله المصريون فى جنازة الزعيم جمال عبد الناصر هو خلاصة مصر وفصل الخطاب فى زعيم أحبه الشعب وميز إخلاصه أما خناقات المثقفين التى لاتنتهى حول عبد الناصر فليس لها أى قيمة أمام رأى هذا الشعب العظيم..
هكذا عبر الكاتب والروائى الدكتور علاء الأسوانى عن رأيه فى ناصر بعد مرور 40 عاما على رحيله.
ويضيف الأسوانى أنه – على الرغم من صغر سنه وقت الجنازة – يرى أن ما حدث فى لحظة رحيل عبد الناصر شيء مذهل فهى لحظة من اللحظات النادرة فى تاريخ مصر ما زالت ملهمة بالنسبة له حتى الأن، فالشعب المصرى قادر على تمييز القائد المخلص، حتى لو لم يوفق، ويضيف عندما نتذكر أن ناصر مات ومصر مازالت تعانى آثار الهزيمة العسكرية وسيناء محتلة ورغم كل ذلك فإن مشاعر الشعب جياشة تجاه زعيمه، هذا الشعب صاحب الحضارة الضاربة فى عمق التاريخ لديه حس لا يخطىء، فعندما نقارن ظروف مقتل السادات وموت عبد الناصر، نجد السادات مات مقتولا فى العرض العسكرى على الملأ، وكانت مصر إنتهت من الحرب والنصر ولكن الفارق بين الجنازتين هائل، لقد قدم المصريون فى جنازة السادات ما يلزم فقط من مظاهر الحداد إحتراما لقدسية الموت فقط وهو عكس ما ظهر منهم فى جنازة عبد الناصر، وهى لحظات لا تنسى وتجعلك تعيد النظر.
ويضيف الأسوانى : الناس العاديون لهم تقييمهم ولهم رؤية وفى وقت الجد يعلنون هذا الرأى بطريقة مدهشة وهذا ما حدث فى جنازة عبد الناصر.
ويكمل الأسوانى بمشهد من الجنازة لا ينساه وهو مشهد عسكرى الحراسة البسيط الذى لم يأبه لوجود عشرات الرتب من القادة والضباط حوله وظل واقفا فى نوبة حراسته وفجأة عندما يقترب منه النعش يترك هذا العسكرى مكانه ليرمى بنفسه فوق نعش الزعيم يعانقه، هذا المشهد الجبار فى معانيه. لأنى أرى الشعب المصرى كله ممَثلا فى هذا الجندى البسيط الذى خرج من بين الشعب الذى بادل عبد الناصر إخلاصا بإخلاص، وعبد الناصر كان يقول: الشعب هو المعلم وقد ثبت أن هذا الشعب هو المعلم فعلا حينما قال كلمته الأخيرة فى مشهد الجنازة غير المسبوق فى تاريخ مصر.
ويخرج الأسوانى من لحظات تذكره لمشاهد الجنازة لأيام بعثته إلى أمريكا فى بداية الثمانينيات للدراسة، وهى الفترة التى سيقول أنه أعاد إكتشاف جمال عبد الناصر خلالها من خلال ما كتبه الأمريكان عنه فى صحفهم ومن خلال الطلبة العرب الذين إختلطوا به فى شيكاجو حيث يدرس.
يقول الأسوانى: فى بداية الثمانينيات كانت هناك مشاعر عربية سلبية ضد مصر بسبب التطبيع والصلح مع إسرائيل ولكن اللافت أن العرب كانوا يفصلون بين تلك المشاعر ومشاعرهم العميقة تجاه عبد الناصر، ويضيف رغم التناقضات والخلافات التى كانت بين الطلبة العرب وبعضهم البعض خصوصا الفلسطينيين المنقسمين وقتها بين حركة فتح والجبهة الشعبية، إلا أن الأتفاق الوحيد بينهم كان على ناصر … الجميع كانوا يحملون تقديرا كبيرا جدا للزعيم.
النقطة الثانية التى لفتت نظر الأسوانى أثناء مطالعته فى مكتبة شيكاجو الوطنية أن الصحف والجرائد فى الستينيات من القرن الماضى فى أمريكا لاتخلو من هجوم على عبد الناصر ومخاوف مما يتبناه من أفكار على مصالح أمريكا وحلفائها.
لقد كانت الصورة من الخارج كما رأيتها أكثر موضوعية عن رؤية البعض لها من الداخل، لقد عمد البعض على تضخيم السلبيات وغاب عنا أن الآخر فى الخارج كان ينظر إلى ما يجرى هنا بحقد وخوف، كانوا يتابعون عبد الناصر بإخلاص وتجربته التى شهدت نجاحات وإخفاقات، ويضيف الأسوانى عبد الناصر نجح وفشل وجاء من بعده الذى فشل فقط !
يكمل الأسوانى : الخروج خارج مصر فى أوقات كثيرة يساعدك أن ترى مصر بشكلها الحقيقى، وأنا إكتشفت قيمة جمال عبد الناصر الحقيقية وأنا أدرس خارج مصر.
ويحكى الأسوانى قصة سمعها من السفير المصرى وقت وفاة عبد الناصر، حيث روى السفير المصرى قصة مجىء السفير الأمريكى بالهند لمقر السفارة المصرية معزيا فى وفاة جمال عبد الناصر وقال لى لقد فقدتم قائدا عظيما، فسألته هل هذا رأيك الشخصى أم الرأى الرسمى لدولتك ؟
فقال بل رأيى الشخصى.
(عن "العربي")
