دعاني، مشكورين، عدد من الرّؤساء الأصدقاء الذين فازوا في انتخابات السّلطات البلديّة والمحلّيّة الأخيرة، إلى الولائم العامرة الفاخرة التي أقاموها احتفاءً بانتصاراتهم، ولم ألبِّ أيّة دعوة من هذه الدّعوات الكريمة، ليس لأنّني لا أحبّ الزّفر أو لأنّني لا أستسيغ لحم الخروف البلديّ أو الرّومانيّ أو الأستراليّ، أو لأنّ معدتي تعبت وعجزت ولا تتحملّ الدّهن، معاذ الله، فأنا في هذا الباب "من غزيّة إن غزتْ" أحبّ اللحم والمنسف والأرزّ والصّنوبر والفريك والكبّة النّيّئة والفوارغ ورائحة الإلية المشويّة، ولكنّني أنفر من هذه الولائم التي فيها الكثير من التّبذير ومن البذخ ومن المجاملة ومن المداهنة ومن الرّياء، وفيها القليل من المحبّة ومن الصّداقة ومن الكرم الحاتميّ العربيّ الأصيل.
لا أنكر على أيّ رئيس، ولا على أنصاره ومؤيّديه، الاحتفال والفرح بالنّصر فهذا حقّ شرعيّ وإنسانيّ، ولكنّي أتساءل: ألا تكفي القناطير المقنطرة والصّواني الرّحبة المليئة بالكنافة الشّاميّة والنّابلسيّة والبقلاوة والبورما والهريسة والقطائف والفطائر التي وزّعها هؤلاء الإخوة في ليلة النّصر وفي الأيّام الزّاهرة والليالي الملاح التي تلتها؟ وما الدّاعي لأن يذبح الرّئيس الفلانيّ سبعين خروفاً وينحر خمسة عجول، آسف، مائة خروف وسبعة عجول، معذرة، مائة وعشرين خروفاً وتسعة عجول، وخمسة في عين الحسود.
يا عيشنا عيشْ
كفّى العرب والجيشْ
وإللي ما بعمل مثل أبو العبدْ
قعوده في البلد لويشْ
لا تتمّ أفراحنا، في العرس وفي الخطبة وفي العقيقة وفي الختان وفي النّصر إلا بذبح الخراف ونحر العجول والولائم الفاخرة الكبيرة. ويبدو أنّه من العيب أن نفرح ونحتفل بزجاجة عصير وقطعة كعك!!
سألني قارئ ساخراً: كم خروفاً وكم عجلاً كان على مائدة رئيس بلديّة حيفا أو بلديّة عكا أو بلديّة تل أبيب بعد فوزهم؟
وعلمتُ من بعض المقرّبين أنّ الوليمة الواحدة كلّفت ما بين مائة ألف شيكل إلى مليون شيكل حسب عدد سكان البلدة أو المدينة.
لو وزّع أصحاب الاحتفالات والولائم هذه الأموال على الطلاب الجامعيّين المحتاجين...
لو اشتروا بها كتباً ووزّعوها على المدارس...
لو اشتروا بها حواسيب للطلاب الفقراء...
لو تبرّعوا بها لجمعيّات خيريّة...
أما كان أفضل الفضل؟
ولكن يبدو أنّنا مجتمع "طبايخي" يحبّ الطّبيخ والنفيخ ولا يتنازل عن هذه العادة الشرقيّة. وأرجو ألا "يزعل مني" ويغضب عليّ الأشعبيّون والبطونيّون الذين لا يفوّتون فرصة للقمة أو وجبة وشعارهم "إذا لم تحصل على لقمة الفرح فاسرقها" وأقول لهم: اطمئنوا فالذين يقرؤون هذا المقال من السّادة الرّؤساء قليلون ولو قرأه بعضهم فلن يعمل به بل سيبقى طَرِباً مع مغنيّة الحيّ:
يا بَيّ العبد في السّاحه ضيوف كثارْ
اذبحْ ذبايحْ وهيل الرّز بالقنطارْ
