- المعارضة السورية المسلحة والمدعومة من الدول الامبريالية ومن دول عربية رجعية، انتصارها فيما لو تحقق لن يكون لمصلحة سورية وشعبها الأبي والعروبي الأصيل وسيكون لمصلحة الأنظمة الرجعية والمصلحة الإسرائيلية
لم يعد حاجة للاستمرار في البحث عن حقيقة دوافع المتآمرين ضد النظام السياسي السوري الحاكم. فإن استهدافهم قادة الجيش العربي السوري واستشهاد عدد منهم بأيدي جماعة المؤامرة، هو برهان ساطع على طبيعة وعقلية المتورطين بهذه المؤامرة المسلحة لإسقاط النظام السياسي الحالي والحلول محله إذا أمكنهم ذلك. هذا وأصبح واضحًا ومؤكدًا بأن جماعة هذه المؤامرة متفاهمون ومتفقون مع حكام السعودية، وقطر، وآخرين من الحكام الرجعيين في المنطقة. ومدعومون من أمريكا وحكومات امبريالية أخرى، من اجل إسقاط نظام الحكم الحالي السوري، المتحالف مع حزب الله في لبنان، ومع الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمتضامن مع الأشقاء الفلسطينيين المناضلين من اجل تحرير أرضهم المحتلة واستعادة حقوقهم المغتصبة.
إن الأحداث الدموية والتخريبية التي يقومون بها في سورية منذ شهر آذار عام 2011، ويسمونها ثورة وانتفاضة وطنية، بات الأحرار والشرفاء العرب، وفي العالم اجمع، يعرفون بأنها مؤامرة مسلحة مدعومة من أمريكا خاصة والدول الامبريالية الأخرى أيضًا، ومسنودة ماليًا وإعلاميا من حكام عرب رجعيين متذيلين للإدارة الأمريكية، في مقدمتهم حكام السعودية، وحكام قطر، هم وأمثالهم من الحكام العرب الجهلاء والمفرّطين بكرامة أمتهم وحقوقها المسلوبة وعليهم ومن واجبهم لو كانوا جديرين بالمناصب العالية التي يحتلونها في أقطارهم، أن يتذكروا باستمرار بأنهم يكررون في ولائهم وتبعيتهم لأمريكا، ما اقترفه قبلهم أمير مكة الشريف حسين في تبعيته العمياء لبريطانيا التي وعدته بالدعم الكفيل بتنصيبه ملكًا على العرب في شبه الجزيرة العربية، مقابل تحالفه معها ضد الحكم العثماني الإسلامي وبنفس الوقت أصدرت وعد بلفور لإقامة دولة لليهود في فلسطين، واتفقت مع فرنسا في ما يسمى باتفاق "سايكس بيكو" على تجزئة سورية الطبيعية لأربعة أقطار هي سورية الحالية، لبنان، فلسطين، شرق الأردن، وان يكون العراق وشرق الأردن وفلسطين تحت سيطرة بريطانيا، وسورية ولبنان تحت سيطرة فرنسا وذلك بقصد خبيث يسهّل عليهما أي بريطانيا وفرنسا، تآمرهم وتحقيق أهدافهم ومآربهم الخبيثة. وفعلا تم لهما تحقيق العديد من أغراضهم الاستعمارية، ومن تسخير بعض الحكام والمسؤولين العرب لتنفيذ مخططهم. وهذا سهّل على الحركة الصهيونية إقامة دولة إسرائيل في القسم الأكبر من ارض فلسطين عام 1948. وحقق لدول الاستعمار الجديد التي تسمى الآن الدول الامبريالية، الكثير من أهدافهم ومآربهم التي أنزلت الضرر الكبير بالقضية الفلسطينية وبالعديد من القضايا العربية قديمها وحديثها.
هذا وحكام سورية منذ استقلالها في شهر نيسان عام 1946 إلى يومنا هذا، حافظوا دائمًا على استقلالية نهجهم السياسي ولم يتذيلوا لأية دولة أجنبية مهما كانت صديقة لسورية. ومن سورية انبثق شعار "الوحدة والحرية والاشتراكية"، وبات شعار الوحدة العربية مطلب قومي سياسي للعرب الطليعيين لان تحقيق الوحدة العربية، كفيل بتغيير موازين القوة لمصلحة العرب ضد الطامعين في السيطرة والهيمنة على العرب، فان الخطأ الفادح والغاشم الذي اقترفه حكام سورية عام 1961 هو انفصال سورية عن مصر بعد قيام الوحدة بينهما عام 1958 برئاسة طيب الذكر المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر. فقد كان الانفصال نكسة مسيئة لحاضر العرب عامة، وحقق ما اسعد حكام إسرائيل والدول الامبريالية، والحكام العرب الغارقين في أوحال الرجعية والجهالة السياسية التي يتمنَّى الأعداء لها عمرًا طويلا.
وما يجري الآن في أنحاء سورية بأيدي فرقاء المعارضة المسلحة والمتذيلة للإدارة الأمريكية ولدول امبريالية أخرى، والمسنودين ماليًا وإعلاميا من حكام عرب رجعيين في مقدمتهم الحكام السعوديين، والقطريين، هو استثناء للقاعدة وللنهج السياسي في سورية منذ استقلالها وتحررها من الاستعمار الفرنسي عام 1946. وهو مسيء لسورية ومخجل للسوريين الأحرار والشرفاء والناضجين فكريًا وسياسيًا، وهم يشكلون الأكثرية الساحقة من المواطنين السوريين.
هذا وسورية منذ استقلالها في نيسان عام 1946 إلى يومنا هذا ترفعت عن المشاركة في تحالفات تبنتها بعض الدول الامبريالية. فلم تشترك في حلف بغداد الذي ضم بريطانيا والباكستان وإيران والعراق عندما كان النظام في كل منهم ملكيًا، أيضًا لم تشترك سورية في حلف أيزنهاور الأمريكي الذي انضم إليه لبنان في عهد الرئيس اللبناني كميل شمعون، وجرى ذلك في الخمسينيات من القرن الماضي. ورغبت بالتذكير بذلك للتأكيد بأن السوريين باغلبيتهم الساحقة يشعرون دائمًا بعراقة سورية التاريخية ويأبون التذيّل لأية دولة أجنبية مهما كانت المبررات. وهم الآن ضد المعارضين المسلحين في سورية لأنهم ليسوا على حق ومدعومين من حكام الدول الامبريالية، ولأنهم معارضة مسلحة ودموية ترتكب يوميًا جرائم يذهب ضحيتها وبسببها عشرات الضحايا من المواطنين السوريين في العديد من المناطق السورية. مع العلم بأن القيادة السورية فاتحة أمامهم باب الحوار والتفاهم للاتفاق، لكنهم يرفضون ذلك آملين بسقوط النظام. فهم للأسف الشديد مأجورون وليسوا أحرارًا باتخاذ قرارهم. وشعبنا السوري بأكثريته الساحقة يدينهم ويبرأ منهم. ولو كانت هذه المعارضة سلمية وغير مسلحة وتمثل إرادة أكثرية الشعب، كان الشعب التف حولها وعضدها وساندها، وعجَّل نجاحها.
وأنا فيما ذكرته لا أنفي وجود أخطاء وتقصير وما شابه في العديد من القضايا في سورية لكنها أخطاء وتقصيرات ثانوية ويوجد شبيهٌ لها في أرقى الدول. لكن ايجابيات النظام السوري، خاصة في المهمات والمجالات الوطنية والقومية، كفتها راجحة دائمًا على الأخطاء والقصورات، فصحيح أن زمن الاحتلال الإسرائيلي للقسم المحتل من الجولان السوري طالت مدته، وهذا مؤلم لنا. لكننا لا نقبل استعادته بالتنازل عن جزء منه مهما كان بسيطًا. ولا نقبل أن يكون الثمن على حساب الحقوق الوطنية لأشقائنا الفلسطينيين.
إن فلسطين هي كما ذكرت سابقًا، جزء من سورية الطبيعية والتاريخية، ونحن ننتقد وندين التخلي في يوم من الأيام عن معاضدة ومساندة أشقائنا وأهلنا الفلسطينيين وعن الدعم لهم الذي يعجل بالحل الايجابي لقضيتهم وحقوقهم الوطنية.
وفي خاتمة هذا المقال، أريد أن اذكر هنا بأني قبل شهور مضت شاهدت على إحدى الشاشات التلفزيونية، السيد "برهان غليون" عندما كان لا يزال يرأس المجلس السياسي الذي يقود المعارضين السوريين، واستمعت لأقواله، فهو أكد للمشاهدين والمستمعين بأن المعارضة السورية ملتزمة بترك تحالف سورية مع حزب الله وإيران عندما تصل المعارضة للسلطة في سورية، ولم يعلن شيئًا عن سياسة هذه المعارضة بخصوص القضية الفلسطينية، ولم يأتِ مطلقًا على ذكر أرضنا السورية المحتلة في الجولان – فأية معارضة سورية هذه المعارضة حين يكون هذا الشخص من قادتها الرئيسيين ومع ذلك حديثه الإعلامي هذا المنقول على شاشة تلفزيونية ولا يأتي فيه على ذكر لأرضنا السورية المحتلة في الجولان العربي السوري، ولم يأتِ على ما له صلة بالقضية الفلسطينية.
فهكذا معارضة مسلحة ودموية ومستندة للدعم المالي والإعلامي القطري والسعودي وجهات رجعية أخرى، وللدعم الامبريالي الأمريكي والبريطاني والفرنسي، يكون انتصارها إذا حصل لا سمح الله لمصلحة الأعداء وليس لمصلحة سورية وشعبها الأبي والعروبي الأصيل، أليس فكّ العلاقة التحالفية بين سورية وحزب الله وإيران هو لمصلحة الحكام الإسرائيليين التوسعيين والمجهضين لمطلب السلام العادل.
(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)
