*لقد حَثّ ذلك الاستعمار على انتهاج الدّين السّياسي خدمةً لمصالحه منذ فترة تحويل الكنيسة الى سُلطة دينية، وانتقالًا الى تجنيد السلطة السّياسية الإسلامية للحرب بالنيابة عن الاستعمار في أفغانستان، وصولا الى قمّة هذا الاستغلال لهذا الهدف في حثّ هؤلاء على تأسيس الحركات الإرهابية التي تُستعمل وتُستَغلّ من أجل تحطيم العالم العربي، محاولةً إبادتهُ أو نزْع صفة حضاريته عنه وتشويه تاريخه ورموزه، وتحويل الصراع الوطني والقومي الى صراع ديني لا يؤمن بالوطن وبالقومية العربية*
"أليست صدفةً فريدةً من نوعها أنّ الجميع يتبعون دينَ آبائِهم، ودائما ما يتصادف أنّه الدين الحق؟"ريتشارد دوكنز.
لا أظنّ أن أي عربي في فترتنا هذه لا يساوره الشعور بالإحباط، ولو لبعض الوقت او لكثيره، بسبب ما آلت اليه أحوالنا الوطنية والقومية من ارتباك وضياع، ويصل بنا الأمر أحيانا الى درجة جلد الذات والتنبّؤ بأنّنا ربما نكون على حافة الإبادة والانقراض، ورغم ذلك أقول إنّ التاريخ لا يُقاس هكذا، فالتجارب التاريخية والعلمية تُثبِت أنّه في النهاية لا بدّ للنَّهر أن يعود الى مصبّه الأصلي والى جريانه الطبيعي.
بعد تخبّطاتنا المتلاحقة في مشاريعنا القومية والوطنية والاشتراكية، وبعد أن حُسمت معركة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي لصالح امبراطورية رأس المال المتغوّل، وجد الكثيرون لهم ملاذًا آخر آمنًا يلجأون اليه بالتوجّه بأنظارهم نحو السماء، الى أعلى، لعلّ الفرج يأتي من هناك. هذه العلاقة العمودية مع الأعالي زادت الطين بلّة وجعلت المتورطين فيها يتعثّرون خلال سَيرهم، لأنّهم لا يُبصرون العَثَرات التي تعترض طريقهم، فهم لا ينظرون الى الأمام، بل مَرّة الى أعلى عموديا، وأُخرى الى الخلف حيث الماضي الذي لا يتغيّر ولا يعود، وفي كلتا الحالتين فهم عاجزون عن بناء شيء لأهل الأرض في مشاريعهم العامودية، وعاجزون عن جعل الماضي قابلًا لأن يكون حاضرا او مستقبلا، بل هو غير قابل للتكرار في زمن يجري الآخرون من حولنا بسرعة البرق الى الأمام، متنافسين من أجل بناء مشاريعهم الدنيوية الملحّة. ولأننّا كذلك ولأنهم كذلك، فقد أصبحنا كالراعي الجاهل المـُعرَّض في كل لحظة بأن يكون فريسة للمفترِس، فلا هو قادر على قيادة قطيعِه، ولا قطيعه يمتلك وسيلة تحميه من شرّ المفترس. الأنكى من ذلك أن معظم هؤلاء الرعيان لعبوا دورا وظيفيًا في خدمة المشروع الاستعماري ضد شعوبهم، وهو شبيه لحد كبير بمخاتير الشعب الذين يختارهم المستعمر لكي يجلسوا على عروش شعوبهم ولا يُسمح لأحد بزحزحتهم او تغييرهم إلا بأمر من مُشغِّلهم. لقد وصل الأمر الى ذروته عندما استطاع ذلك المشغِّل تجيير خيرات العرب وبِتْرولهم فنعم هو بها بينما أصبحت تلك الخيرات نقمة على الشعوب العربية بدلا من أن تكون أكبر نعمة ننعم بها.
لسنا بحاجة للوعظ الى حقيقة جليّة يلاحظها الكثير من البشر المتنورين عن ديكتاتورية معظم المنتهِجِين لفلسفة التديّن السياسي وتزمّتهم ورجعيتهم، وبالأخص منهم المنتهجين للديانات التوحيدية الطاغية حاليًا، لما بها من وسيلة تجد فيها السلطة السياسية أداةً لخدمة أهدافها في تحييد الشعوب والبشر عن الوصول الى الوعي وإعمال العقل، بحيث تقف أمامهم عائقًا، بالإضافة الى عوائق أخرى، تمنع أصحاب الفكرمن أن يقودوا المسيرة من أجل الوصول الى نظام حكم عادل وأخلاقي، يكون الإنسان فيه هو الأهم، بحيث يُعطى حرية التعبير والإبداع والاختراع والاكتشاف والتطور والحياة الرغدة والمريحة، وصولًا الى الاشتراكية الحَقّة، بعيدا عن ديكتاتورية الغيبيات وعصر الغاب والاستغلال والاستعمار والحروب.
مَن يريد أن يَتَقرَّب من خالقِه فهو ليس بحاجة لواسطة او وسيط من قبل اي حزب او فَقيه او قِدِّيس لكي يعظ له بذلك، لأنّ الواعظ يطمح دائما أن يكون محامي الله ونائبه على الأرض، فيضطر المتديّن اللجوء الى الاجتهاد وإعمال الفكرأفقيًا، بدلًا من العبادة العمودية. علينا السَّعْي من أجل جعل العلاقة الأفقية بين البشر هي الطاغية، ويجب إبعادها عن التحزبات الدينية التي تستغل العبادة العامودية من أجل التسلّط على البشر أفقيًا.
في عالمنا العربي الذي نطمح ونحلم أن يكون مَدنيًا علمانيًا معاصرًا، والذي من المفروض أن يوحّدنا، تبقى حرية الإيمان مسألة شخصية تخصّك وحدك؛ لك الحرية في أن تمارسها، ولا يحقّ لك إدخالها الى مناهج حياتنا اليومية التعليمية والدنيوية والوطنية، حيث أنّ ما يجمعك مع أبناء شعبك وعالمك العربي هو الوطن، وليس التحزّبات الطائفية والدينية.
***
إنّ العودة الى تاريخنا بأصوله الدينية سياسيًا وفكريًا، وبأثر رجعيّ، يضيّعنا ويضيّع الدّين، لأن قوة الدين، إذا كان مرتكزا على الإيمان بشكل فردي، تكمن في إعطاء الفرد حرية التفكير عاموديا، وبإتاحة حرية الإيمان الفردي له، وعدم السماح للدّين والمسِّيسِين له بمواعظهم،بالتدخل في شؤون الوطن ودساتيره وتحزباته الدينية المفرِّقة بين البشر. الدين السياسي بمجمله لا يضمن للبشر نتائج تجعلهم قادرين على تَخَطِّي تقدّمهم الحالي والمستقبلي، لأنّها تَصرف الكثير من الطاقة في عالم الغيب أكثر من التفرّغ لإسعاد البشر على الأرض، وحلّ مشاكِلهم الدنيوية، لكي نضمن لهم حياة ملؤها العلم والاختراع والإبداع والتقدم والسعادة والصحّة والمساواة والعدالة، وكل ذلك مرتبط في جوهره بالسماح للبشر بإعمال عقولهم بكامل الحرية والوعي والتحرر والإبداع.التَّدَيُّن السياسي بشكل عام يتعارض ومسألة حرية الانفتاح الفكري، لما يتضمنه من تدخّلات قمعية وتحزباتية غيبية وأسطورية، غير متَّفَقٍ عليها وعلى مصداقيتها بين أغلبية البشر على أنّها وسائل ناجعة ونافعة لحياتنا الدنيوية.إنّ التَّوجه الوطني والقومي والأممي العصري فيه علاقة أفقية بين المجموعات البشرية أكثر ضمانا لهم من أجل تسهيل حياتهم الدنيوية، ويفسح المجال أمام الجميع للمساهمة في التطور البشري والعلمي بشكل متساوٍ وعادل.
إنّ توريطنا بالتديّن السّياسي وجعْله دستورًا لحياتنا الدنيوية، بدلا من اعتباره مسألة متعلقة بماورائياتنا، جعلنا فريسة للموروث الديني والاجتماعي الأصولي والبطريركي،ولعبةً ولقمةً سائغةً في فم المستعمرين وأصحاب الفكر الدّيني المتشدّد، وقَوّى المسيحية الصهيونية ضدّنا، وهي شكل خطير من أشكال التديّن السياسي، وجعل الدين الإسلامي السياسي يضيّع بوصلتنا القومية والوطنية، ما أدى الى شبه ضياع لقضيتنا الفلسطينية والعربية، بسبب تحريفهم للبوصلة وجعلها قضية دينية إسلامية من طرفنا، وجعل القضية الصهيونية الاستعمارية قضيّة يهودية عبرانية توراتية من طرف الاحتلال الصهيوني والصهيونية المسيحية، وبالتالي فقد امتدّ هذا الضياع الى عالمنا العربي، الذي اعتبر التديّن السياسي امتدادًا للمدّ الإسلامي الذي زاد من ضياعنا ضياعا وتَشتُّتًا.
في حال دخلنا هذه اللعبة، او في حال أَدخلنا المستعمرون فيها، فإننا حتمًا سنقع في فخ وَضْعِنا بين خيارين لا ثالث لهما، وهما معتمدان على التساؤل الذي جعلونا لا نفكّر الا بهما، وأنّ الحل الثالث غير مطروح، لا كبديل ولا هو مطروح حتى للتداول او النقاش او حتى للتخطيط من أجله، وهذان التساؤلان يحومان حول: مَن أصدقُ تاريخيًا هذا الدين ام ذاك؟وهكذا تضمن لنفسها الصهيونية العالمية كسب المعركة،لأنّ مبرّراتها في الأسبقية الدينية أقوى من حُجَجِنا. سيشجّعوننا على اعتناق هذه الأفكار لأنّها في نهاية المطاف ستصبّ في خزّان مصالحهم، فسيقولون لنا أنّ الديانة اليهودية جاءت قبل الإسلامية وأنّ المسيح أصله يهوديّ، وأنّ الدين الإسلامي متأثرٌ، وبعض الأحيان ناسخٌ للكثير من نصوص الديانتين اليهودية والمسيحية اللتين سبقتاه، وأنّه إذا كانت إسرائيل دولة محتلة، فالمسيحيون الصليبيون كانوا محتلّين، والمسلمون سمّوا احتلالاتهم غزوات وفتوحات. إنّ رَبْط قضايانا بالمرجعيات الدينية سيجعل الدين السّياسي هو المهيمن، بينما رَبْط قضية الاستعمار الصهيوني بتاريخ الدين اليهودي القديم، وانجرارنا خلف هذا النوع من التفكير المزيّف للتاريخ وللسياسة وللجغرافيا، جعلنا نقع في فخّهم الخبيث. توجّههم على هذ الشكل هو في الأصل ليس دينيًا او إيمانيًا، بل هو سياسي استعماري محض مرتبط زمنيًا بتاريخ وجود الحركة الصهيونية، بدليل أنّ من أسّسوا للفكر الصهيوني هم مستعمرون جاؤوا من الغرب، وجميعهم بلا استثناء كانوا علمانيين وليسوا متديّنين، ولا شيء يثبت أنّهم ذوو صِلة بيهود شرقنا، ليس بالدين وليس بالجينات.
هنالك سياسة استغفال مبرمجة ومكثفة وطويلة الأمد تنتهجها سلطات الدين السياسي، فتصبّ في خدمة سلطات الحكم العليا المتحكمة بحياة البشر. مئات من الفضائيات ووسائل الميديا المختلفة تساهم بكل اجتهاد، وتنفق من أجل ذلك مليارات الدولارات، وهذه السياسة المنتهجة تبدأ من مناهج التدريس منذ المراحل الأولى للطفولة وتمتد حتى المواعظ المكثفة لملايين البشر من خلال المساجد والكنائس حيث تتم عملية غسل تامة للأدمغة، بحيث تتم عملية إقناع البشر بضرورة العودة الى الماضي المجيد والطاهر،وتحذر من خطورة نبذ التراث او انتقاده، لا بل يتم الوعظ عَلنًا بعدم ضرورة إعمال العقل، فالماضي، حسب رأيهم، فيه كل الحلول والرموز التي تنبئ بكل ما يمكن للإنسان أن يصل اليه من علوم وأفكار. إنّه التفكير بالمطلق وليس بالجدليّ والنسبيّ وبما هو قابل للتغيير والتطور بناءً على حاجات البشر الدنيوية الملحّة او الضرورية. ومن أجل التخلّص من هكذا مأزق يُشنِّجُنا ويكبّلنا، فهنالك حاجة ملحّة لتغيير برامج وأساليب التعليم من جيل الصفر حتى الاكاديميات، وفصل الدين عن الدولة، وهذا المطلب لن يتحقّق الا بإرادة قويّة وبقرار ثوريّ حاسم، وكل ذلك بدوره يتطلب ثورة علمية وفكرية من أجل إحداث هذا التغيير الجذري.
***
إنّ محاولاتنا البائسة واليائسة من أجل إعادة اجترار الماضي التراثي وجَعْله حاضرًا ومستقبلًا، متوهّمين أننا بذلك قد نتغلّب على مَن لا ينتهج طريقنا من البشر الذين يخطّطون للمستقبل بسرعة فائقة، وينفّذون بحذق ومهارة، جعَل هؤلاء المخططين المجتهدين الأذكياء يعتبروننا مخلوقات مستهلِكة لمنتجاتهم ولفكرهم ولعلومهم ولاختراعاتهم. استطاعوا بدهاء أن يجعلوا منّا قطيعا يقودُه راعٍ يظنّ أنّه قائدٌ لقطيعه، بينما هو في الحقيقة يشبه قطيعه، لأنّه لا يتعدّى كونه لقمة سائغة في فم المتأهّب لافتراسه هو وقطيعه بدون أن يجد لنفسه أية وسيلة لحماية نفسه، لأنّهما، اي القطيع والراعي، مخْتَرَقَان ذهنيًا وأمنيًا وجغرافيًا وتاريخيًا.
أكبر دليل على خطورة استعمال تاريخ الدين السّياسي كتحرك مبدئي وعقائدي وكوسيلة لبناء المستقبل باللجوء الى التراث الديني وأساطيره، هو تمكُّن العالمَ الاستعماري المتطور علميًا عبر ثوراته التاريخية المتلاحقة بالتدريج، بناءً على تقدمه الفكري والعلمي، منذ الانتقال من مرحلة الاقطاع الى الرأسمالية الحديثة ومحاولة بناء نظام اشتراكي، مرورا بالثورة الصناعية وثورة المعلومات، هو تمكنه من استغلال اولئك المتشبّثين بالتراث المتحَفيّ القديم، بشكله الجامد والرجعي والتراجعي، بهروبهم الى الأمام من خلال رجوعهم الى الماضي المتجمّد دون الانتباه الى ضرورة أخذ وجه الضروريّ من ذلك التراث وليس نَسْخهُ كما هو وتقليده. لقد حَثّ ذلك الاستعمار هؤلاء على انتهاج الدّين السّياسي خدمةً لمصالحه منذ فترة تحويل الكنيسة الى سُلطة دينية، وانتقالًا الى تجنيد السلطة السّياسية الإسلامية للحرب بالنيابة عن الاستعمار في أفغانستان، وصولا الى قمّة هذا الاستغلال لهذا الهدف في حثّ هؤلاء على تأسيس الحركات الإرهابية التي تُستعمل وتُستَغلّ من أجل تحطيم العالم العربي، محاولةً إبادتهُ أو نزْع صفة حضاريته عنه وتشويه تاريخه ورموزه، وتحويل الصراع الوطني والقومي الى صراع ديني لا يؤمن بالوطن وبالقومية العربية. لن يكون هنالك تحرر قومي ووطني بدون تحرر فكري. إنّ الاتجاه القومي يضمن الاتحاد والوحدة، وهو التوجه المضمون للمرحلة القادمة؛ وحدة اللغة والجغرافية، وتوحّدنا حول الأكثر مشتركا بيننا.
إنّ وقوعنا في فخّ البحث عن مصداقية وأحقية دين على آخر بناء على مرجعية دينية تراثية مزيِّفة للتاريخ عبرانيًا، مسيحيًا او إسلاميًا على حدّ سواء، هو هو ما جعلنا نُضيِّع البوصلة ونفقد الطريق. عالمنا العربي بالتأكيد يمرُّ الآن مرحلةً هي قمّة في الانحطاط، ولكنّنا، كما علَّمَنا التاريخ، لا بدّ من النهوض من كبوتنا، وإذا لم تكن معاركنا حاسمة في المرحلة الحالية، فبالتأكيد سيتم ذلك في المرحلة القادمة، لا بل هنالك بوادر طفيفة بأنّ التغيير قد بدأ، ومن يقول غير ذلك فهو يؤمن بفلسفة جلد الذات والوعظ بأنّنا مقبلون على الانقراض.
من المنطقي التفكير والتخطيط من أجل إتمام فترة تحررنا القومي أولا، وليس تحررنا الديني الذي يُضيِّع مجهودنا خلال محاولاتنا التحرر قوميًا وليس فيه من المنطق والمبرّرات التاريخية الكافية لضمان النّصر، بل هو معركة خاسرة على المدى القريب والبعيد. ومن أجل التفكير لاحقًا، أو ابتداء من الآن،علينا التخطيط لمراحل تطور جديدة حاليًا ولاحقًا لكي تُشكّل أساسا لانطلاقة جديدة نحو تحرّرنا الاشتراكي ومن ثم الأممي، والذي سيشكل تطورا تاريخيا منطقيا لتقدمنا المستمر.
